أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
108
شرح مقامات الحريري
قال ابن رشيق : وأكثر ما تجري هذه الممادح والمذامّ على جهة المنافقة ، لا على جهة المناصفة ، ومن باب المسامحة لا من باب المشاححة ، وإلّا فالشيء لا يوافق ضده ، فيكون الحسن قبيحا في حالة واحد ، والمدح ذمّا لمعنى واحد ، لكن لكلّ شيء - كما ذكر الجاحظ - مساوئ ومحاسن ؛ كما فعل عمرو بن الأهتم بين يدي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقد استشهده الزّبرقان بن بدر على ما ادّعاه من الشرف في قومه ، قال عمرو : أجل يا رسول اللّه ، إنه مانع حوّزته ، مطاع في أنديته ، شديد العارضة . فقال الزبرقان : أما واللّه لقد علم أكثر مما قال ؛ ولكن حسدني شرفي ، فقال عمرو : أما وقد قال ما قال ، فو اللّه ما علمته إلا ضيّق الطعن زمر المروءة ، لئيم الخال ، حديث الغنى فرأى الكراهة في عين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لمّا اختلف قوله ، فقال : يا رسول اللّه ، رضيت فقلت أحسن ما علمت ، وغضبت فقلت أقبح ما علمت ؛ وما كذبت في الأولى ، ولقد صدقت في الثانية ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن من البيان لسحرا ، وإن من الشعر لحكمة » « 1 » . وكتب يزيد بن معاوية في صدر كتابه إلى عبيد اللّه بن زياد - وقد ولّاه محاربة الحسين بن عليّ رضي اللّه عنهما - وكان قبل ذلك يسيء الرأي فيه : أمّا بعد ، فإن المسبوب يوما ممدوح ، وإنّ الممدوح يوما مسبوب . ويروى أن عيسى عليه الصلاة والسلام لم يعب شيئا قط ، فمرّ يوما بكلب ميّت ، فقال أصحابه : ما أنتن ريحه ! فقال عيسى عليه الصلاة والسلام : ما أحسن بياض أسنانه ! . وقالت للحضين بن منذر امرأة : كيف سدت وأنت دميم بخيل ! فقال : لأني سديد الرأي ، شديد الإقدام . وقال مسلمة بن عبد الملك لأخيه هشام : كيف تطمع في الخلافة وأنت بخيل ، وأنت جبان ! فقال : لأني حليم ، وأنا عفيف ؛ فسلّم لعائبه ما ادّعاه من مساوئه ، وذكر من محاسنه ما لم ينازع فيه . صعد خالد بن عبد اللّه القسريّ منبر مكة يوم الجمعة ، وهو أمير للوليد بن عبد الملك بن مروان ، فأثنى على الحجّاج خيرا ، فلما كانت الجمعة الثانية وقد مات الوليد ، ورد عليه كتاب سليمان يأمره بشتم الحجّاج وذكر عيوبه ، وإظهار البراءة منه ، فصعد المنبر ، فحمد اللّه وأثنى عليه ، ثم قال : إنّ إبليس كان يظهر من طاعة اللّه عزّ وجلّ ما كانت الملائكة ترى له به عليهم فضلا ، وكان اللّه قد علم من غشّه ما خفي عن الملائكة ، فلما أراد اللّه فضيحته ابتلاه بالسّجود لآدم ، فظهر لهم ما كان يخفيه منهم ، فلعنوه . وإنّ
--> ( 1 ) روي بطرق وأسانيد متعددة ، أخرجه البخاري في الأدب باب 90 ، والترمذي في الأدب باب 69 ، وابن ماجة في الأدب باب 41 ، والدارمي في الاستئذان باب 68 ، وأحمد في المسند 1 / 269 ، 273 ، 303 ، 313 ، 327 ، 3 / 456 ، 5 / 125 .