أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

107

شرح مقامات الحريري

قوله : « ما أغزر ويلك » ، أي ما أكثر بلاغتك . وأملك : ألزم وأحقّ ، يريد أن شرطك الذي شرطت من إعطائي دينارا آخر إن ذممته ، قد لزمك بذمّي له . والشرط أملك مثل ، وأول من قاله الأفعى الجرهميّ ، وكان حكيما للعرب ، فتحاكم إليه خصمان ، فاشترط أحدهما وأراد ألّا يلتزمه ، فقال الأفعى : الشرط أملك ، وتقديره الشرط أملك لأمرك منك . نفحته : رميته . عوّذهما : رقاهما . والمثاني : أمّ القرآن ، سميت بذلك لأنها تثني في الصلاة ، واختصّها لأنه أشار عليه أن يحمد اللّه على أخذ الدينار ، فكأنه قال : اقرأ الحمد للّه رب العالمين ، شكرا للّه عليهما وتعويذا لهما . وهذا كما قال ابن رشيق في غلام جميل : [ السريع ] معتدل القامة والقدّ * مورّد الوجنة والخدّ لو وضع الورد على خدّه * ما عرف الخدّ من الورد قل للّذي يعجب من حسنه * اقرأ عليه سورة الحمد وله في مثله : [ السريع ] شكوت بالحبّ إلى ظالمي * فقال لي مستهزئا : ما هو ! قلت : غرام ثابت ، قال لي : * اقرأ عليه « قل هو اللّه » وقال أبو عبيد : المثاني في كتاب اللّه ثلاثة أشياء : القرآن ، سمّاه اللّه المثاني في قوله تعالى : كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ [ الزمر : 23 ] ، وسمّى الفاتحة « مثاني » في قوله : سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي [ الحجر : 87 ] وروى عثمان وابن عباس وابن مسعود عنه صلى اللّه عليه وسلم . « إن المثاني من السور ما دون المئين » ، كأنها جعلت مبادئ والتي تليها مثاني . قوله : « بتوأمه » ، أي بأخيه ، يعني الدّينار الأول . انكفأ : انقلب وولّى ، معناه بكوره وسيره في الغدوّ . النادي ونداه : المجلس وكرم أهله . [ مدح الأشياء وذمّها ] ونريد أن نأتي بفصل في مدح الشيء وذمّه على حكم ما مدح الحريريّ الدّينار وذمّه ، ونبيّن مذهب العرب وأهل الأدب في ذلك ، فقد ألّف ابن رشيق فيه كتابا جلبت في هذا الكتاب عيونه . قال أبو عثمان الجاحظ : العربيّ يعاف الشيء ويهجو به غيره ، فإن ابتلي به فخر به ، ولكنه لا يفخر به لنفسه من جهة ما هجا به غيره ، فافهم هذا ؛ فإنّ الناس يغلطون على العرب ، ويزعمون أنّهم يمدحون بالشيء الذي يهجون به ، وهذا باطل ؛ ليس شيء إلا وله وجهان ، فإذا مدحوا ذكروا أحسن الوجهين ، وإذا ذمّوا ذكروا أقبح الوجهين .