أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

105

شرح مقامات الحريري

ووقع هذا في نثر البديع ، قال في مخاطبة أبي الفتح عيسى : أظعنا تريد ؟ قلت : إي واللّه ، قال : أخصب رائدك ، ولا ضلّ قائدك ، فمتى عزمت ؟ قلت : غداة غد ، فقال : [ الوافر ] صباح اللّه لا صبح انطلاق * وطير الوصل لا طير الفراق وقال السّعد لا يعدوك دأبا * يصاحبكم إلى يوم التّلاقي فأين تريد ؟ قلت : الوطن ، قال : بلّغت الوطن ، وقضيت الوطر ، فمتى العود ؟ قلت : القابل ، فقال : طويت الرّيط « 1 » ، وثنيت الخيط ، فأين أنت من الكرم ؟ قلت : بحيث أردت ، فقال : إذا رجعك اللّه سالما من هذا الطريق ؛ فاستصحب لي عدوّا في ثياب صديق ، من نجار الصّفر ، يدعو إلى الكفر ، ويرقص على الظّفر ، كدارة العين ، يحطّ ثقل الدين ، وينافق بوجهين . فعلمت أنه يلتمس دينارا ، فقلت : ذلك لك نقدا ، ومثله وعدا ، فأنشأ يقول : [ مخلع البسيط ] رأيك ممّا خطبت أعلى * لا زلت للمكرمات . أهلا صلبت عودا ، ودمت فردا * وطبت فرعا وطبت أصلا يا واحد الدهر والمعالي * لا لقي الدّهر منك ثكلا قوله : « عدوّا في ثياب صديق » من قول أبي نواس : [ الطويل ] إذا امتحن الدّنيا لبيب تكشّفت * له عن عدوّ في ثياب صديق « 2 » قوله : « الرامق » أي الناظر ، ورمقت الشيء رمقا أتبعت النظر إليه . وزينة المعشوق التي في الدينار : نقشه وتزيينه ، ولون العاشق : صفرته ، فالناظر في الدينار يرى في الظاهر زينته فيهواه ، فيقع على ما وقع عليه باطن العاشق من العذاب والغرام ، ويدلّ على ذلك صفرته الظّاهرة عليه . وقال ابن ظفر : زينة المعشوق غرور مدعاة إلى التهوّر في الغرام ، ولون العاشق وهو الأصفر دليل على ما أسرّ من شاغف الكلف ، فالغافل ينظر من الدينار مثل زينة المعشوق مجرّدة عن عاقبتها ، فيصيده الهوى ، والعاقل ينظر منه إلى لون العاشق ، فيستدلّ على باطن الجوى ذوي الحقائق ، يعني أهل الرشد والعلم ، والذين ينظرون إلى ما في الدنيا بعين الحقيقة . ثم لولا حبّ الدنيا ما سرق السارق ، فيستوجب قطع يده ، أو بعض أعضائه ، واليد يجب قطعها بربع دينار ذهب . ومن ملح السّرقة أن الجاحظ حكى أن رجلين كان أحدهما أيمن ، والآخر أعسر ، فكان الأيمن يفخر على الأعسر ، فأخذا في سرقة ، فقطعت أيمانهما ، فكان الأعسر يعمل بيساره أعماله كلها ، والأيمن لا يستطيع أن يعمل بيساره

--> ( 1 ) الريط : جمع ريطة ، وهي الملاءة . ( 2 ) البيت في ديوان أبي نواس ص 192 .