أبي أحمد حسن العسكري

53

شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف

جاء رجل إلى أبى عبيدة ، فقال : أريد أن أقرأ عليك شعر الحطيئة « 1 » ، فقال : اقرأ ، فابتدأ فقال : ظعن الّذين فراقهم أتوقّع « 2 » * وخرى ببينهم الغراب الأنفع « 3 » [ 28 ب ] قال : فوجّه أبو عبيدة إلى يونس : قد وقع طير من البادية « 4 » ، فاحضر . فاجتمعا ، فقرأ الرّجل . فقال أبو عبيدة : ويحك ، إن عذرت في تصحيفك الأوّل ، لم تعذر في الثاني ؛ أما سمعت بغراب أبقع « 5 » ولا رأيته قطّ ! وقرأ رجل يوما على [ أبى ] عبد اللّه المفجّع « 6 » : ولما نزلنا منزلا طلّه النّدى * أنيقا وبستانا من النّور خاليا بالخاء المعجمة ، فحرّك المفجّع رأسه ، وقال : يا سيّد أمّه « 7 » ، فعلى أىّ شيء

--> ( 1 ) - هو أبو مليكة جرول بن أوس العبسي ، كان من فحول الشعراء ومتقدميهم وفصحائهم ، متفوقا في فنون الشعر ، وبخاصة الهجاء ، وكان سيئ الخلق والدين ، جشعا سئولا ، مولعا بالوقيعة بين الناس ، نهما إلى تمزيق أعراضهم ، فهابه الناس لذلك ، واشتروا أعراضهم ببذل ما في طاقتهم . واضطر الخليفة عمر أن يشترى منه أعراض المسلمين جميعا بثلاثة آلاف درهم . وبلغ من حبه للهجاء أنه هجا نفسه ، وهجا الزبرقان ابن بدر بقصيدة فيها البيت المشهور : دع المكارم لا ترحل لبغيتها * واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسى فاستعدى عليه الزبرقان عمر بن الخطاب ، وأنشده هذا البيت . فقال عمر : ما أسمع هجاء ، ولكنها معاتبة ، فقال الزبرقان : أما تبلغ مروءتى إلا أن آكل وألبس ؟ فقال عمر : على بحسان ، فلما جاء سأله ، فقال : لم يهجه بل فضحه . فأمر به عمر ، فألقى في بئر ، فاسترحمه ، فلم يلتفت إليه ، فأنشده القصيدة التي أولها : ما ذا تقول لأفراخ بذى مرخ * زغب الحواصل لا ماء ولا شجر فأخرجه ، وقال له : إياك وهجاء الناس ، قال : إذن يموت عيالي جوعا ، هذا مكسبى ، ومنه معاشى . وله في المدائح شعر حسن بليغ ، وقد مات في أواخر خلافة عمر . ( 2 ) - في الأصل ما يفيد أن الكلمة تروى أيضا : يتوقع . ( 3 ) - في البيت تصحيفان : الأول في قوله : وخرى . وأصلها في الشعر : وجرى . والثاني : الأنفع ، وأصلها : الأبقع ، وهذا معنى قوله فيما سيجيء : إن عذرت في تصحيفك الأول ، لم تعذر في الثاني . ( 4 ) - في الأصل البابة ، ومعنى البابة : الخصلة ، كما نقله صاحب اللسان عن أبي العمثيل ، ومن معانيها الغاية ، كالباب في الحدود والحساب ، واسم ثغر وهي غير مناسبة هنا ، وقد يظن أنها محرفة عن « البادية » ، وقد سقطت الدال من الناسخ . ( 5 ) - يقال للغراب أبقع : إذا كان فيه بياض ، وهو أخبث ما يكون من الغربان ، فصار مثلا لكل خبيث . ( 6 ) - أبو عبد اللّه محمد بن عبيد اللّه المفجع الكاتب البصري ، لقى ثعلبا وأخذ عنه وعن غيره ، وكان شاعرا شيعيا ، وله قصيدة يسميها بالأشباح ، يمدح فيها عليا عليه السلام ، وبينه وبين أبى بكر بن دريد مهاجاة . وله كتاب الترجمان في معاني الشعر وغيره ( الفهرست لابن النديم 123 ) . ( 7 ) - الإضافة في « سيد أمه » هنا : للذم والتحقير .