إحسان عباس ( اعداد )
230
شذرات من كتب مفقودة في التاريخ
وكانت أم الإخشيد معه بمصر ، وكان الإخشيد قد جعل عندها خمسمائة دينار وديعة ما له سواها ، وكانت أمه قد أشرفت يوما على ابنها الإخشيد وهو يأكل وعنده جماعة ، وعلى المائدة غضار وطيافير « 1 » قد تقشرت ، فاغتمّت وأخرجت من الخمسمائة دينار مائتي دينار واشترت مائدة حسنة وغضارا صينيا وطيافير جددا ، ففرح الإخشيد بذلك وشكر أمه ، ولم يدر من أين اشترت . فلما شرع الإخشيد في الهرب قال لأمه : أين الخمسمائة دينار ؟ فأخرجت ثلاثمائة دينار ، فقال لها : أين الباقي ؟ فقالت : اشتريت مائدة وصينيا وطيافير . فقال : وأيش كنت أعمل بهذا ؟ فأخذ الثلاثمائة وهرب واستترت أمه وسائر أسبابه ، فجاء بعض الجند إلى تكين وقال : قد هرب الإخشيد ، فقال : لا ، استأذنني هو ومحمد ابني ليخرجا إلى الصيد ، فقيل له : قد هرب واللّه ، فأرسل تكين في أثره ، فلحقوه في نواحي البقارة ، فمانعهم وسار إلى دمشق . ثم جاءه كتاب التقليد واللواء وتمكن بدمشق . وحدثني بعض أصحابه قال : كان للإخشيد عدة غلمان أكبرهم بدر الكبير الفحل ، وكافور من صغار غلمانه ، وكان قد جعل كافورا على وضوئه . ولما صحّ عند تكين هربه قلق لذلك ، وكتب له كتابا يستعطفه فيه ويقول له : لو أعلمتني لأعنتك وعضدتك ، ويقول في فصل منه : ( ألم نربّك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين ، وفعلت فعلتك التي فعلت ) ، فكتب إليه الإخشيد الجواب وفيه : فهمت كتاب الأمير - أطال اللّه بقاءه - وما تلاه من القرآن والجواب ما أجاب به موسى الذي هو خير من الأمير ومني : فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ ، ( الشعراء 18 - 21 ) . ثم قوي أمر الإخشيد بدمشق ، وكاتب وصادر ، ولم يزل يترصّد أمر تكين . ثم تقلّد محمد بن جعفر القرطي خراج مصر والشام ، وقال ببغداد : أخاف أن يهرب الماذرائي ، فكتب إلى تكين بأن يمسك محمد بن علي الماذرائي إلى موافاة محمد بن جعفر القرطي ، وأنفذوا قائدا من بغداد لأن يمسكه ، فبلغ محمد بن علي
--> ( 1 ) الطيفور : الصحن المقعر العميق .