حمزة بن الحسن الأصفهاني
49
سوائر الأمثال على أفعل
وأرجع الآن إلى اقتصاص كيفية هذه الأمثال فأقول : إن أكثر أمثال العرب مضروبة بالبهائم . فهم لا يكادون يذمّون ويمدحون إلا بما يجدون في البهائم ، لما ألهمها اللّه تعالى من المعرفة ، وأشعرها / من الفطنة ، وبصّرها بما « 18 » يقيمها ويعيشها . والسبب في تفرّد العرب باستعمال ذلك دون سائر الأمم « 19 » ، أن العرب أناس إنما وضعوا بيوتهم « 20 » وأبنيتهم وسط السباع والأحناش ، والهمج والحشرات « 21 » ، فليس يعثرون إلا بها ، ولا يفتحون عيونهم إلّا عليها ولا يرون سواها . فحين تأمّلوا أخلاق تلك البهائم ، فألفوها متفرقة في أنواعها ، ثم رأوها مجتمعة في الإنسان الذي يجمع إلى حرص الذئب حذر الغراب ، وإلى تدبير الذّر كسب النمل ، وإلى هداية الحمام حزم الحرباء ، وإلى حراسة الكركيّ حيل الثعالب « 22 » ، إلى غير ذلك من أخلاقها ، قالوا عند ضرب الأمثال بأخلاق الإنسان : إن فلانا له جرأة الأسد ، ووثوب النمر ، وروغان الثعلب ، وختل الفهد ، وصولة الجمل ، وحملة الثور ، وغدر الذئب ، وحفاظ الكلب ، وعقوق الضب ، وجمع الذّرّ ، وهداية الحمام ، وحماقة الضبع ، وجبن الصّفرد « 23 » ، وغباوة الديك ، وتحنّن الدجاجة ، وبرّ الهر ، ومنع الصّبيّ ، وحراسة الكركيّ ، وحذر الغراب ، واختطاف العقاب ، وهو كدودة القزّ « 24 » ، تعمل لغيرها وتهلك نفسها ، وكذبالة السراج ، وتضيء ما حولها وتحرق نفسها ، وكصفحة المسنّ ، تشحذ ولا تقطع ، وكفأرة المسك ، يؤخذ مسكها ، وينبذ جرمها .
--> ( 18 ) في الأصل : « لما » . ( 19 ) في الأصل : « دون سائر العرب » . ( 20 ) قال شارحه في الهامش : « أبياتهم » . ( 21 ) الهمج : الذباب والبعوض . ( 22 ) على هامش الأصل : الذئاب ، عوضا عن الذئب ، والثعلب عوضا عن الثعالب ، ويبدو أنه يراعي السجع في الأصل ، واستخدام صيغة المفرد في الثانية . ( 23 ) الصّفرد : طائر أعظم من العصفور ، جبان يفزع الصعوة وغيرها . والصعوة طائر أصغر من العصفور ، أحمر الرأس . ( 24 ) في الأصل : كدودة القبر .