جمال الدين بن نباتة المصري
66
سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون
دارا ، فجاء فنزل عن فرسه وقعد عند رأسه وبه رمق ، فقال : واللّه ما هممت بقتلك ، ولقد نهيت عنه ، ولقد يعزّ علىّ مصابك فاسألني حوائجك . فقال : تقتل فلانا وفلانا اللّذين قتلانى ؛ فإنّى كنت محسنا لهما ، وتتزوج ابنتي روشنك . فقال : سمعا وطاعة ، وأحضر الرّجلين فقتلهما ، وقال : هذا جزاء من يتجرّأ على ملكه ؛ وتفرّق ملك فارس . ثم سار الإسكندر إلى بابل وجلس على سرير دارا ، واستولى على خزائنه وجواهره وسلاحه ، وتزوّج ابنته روشنك . وقيل : إنها كانت زوجة دارا وهي ابنته ، ولم يكن في زمانها أحسن منها . وقيل : إنّ الإسكندر لم يجتمع بها ، وقال : أخشى أن أكون غلبت دارا وفتغلبنى روشنك . ولمّا استولى على ملك فارس عرض جيشه وجيش الفرس فكانوا ألف ألف - وقيل أكثر - وشرع في هدم بيوت النّيران ، وقتل الموابذة ، وكتب إلى أرسطاطاليس يستشيره فيمن بقي من عظماء الفرس بهذا الكتاب : أمّا بعد ، فإنّ دوائر الأسباب ، ومواقع الفلك ؛ وإن كانت أسعدتنا بالأمور التي أصبح لنا بها النّاس دائنين ، فإنا مضطرون إلى حكمتك ، وغير جاحدين لفضلك ، والاجتباء « 1 » لرأيك ؛ لما بلونا من جدا ذلك علينا ، وذقنا من جنى منفعته ؛ حتى صار ذلك بتجرّعه فينا « 2 » ، وترشيحه لعقولنا كالغذاء لنا ؛ فما ننفكّ نعوّل عليه ، ونستمدّ منه استمداد الجداول من البحار ، وقوّة الأشكال بالأشكال ، وقد كان مما سبق إلينا من النّصر وبلغناه من النّكاية في العدوّ ما يعجز القول عن وصفه ، والشكر على الإنعام به ؛ وكان من ذلك أنا جاوزنا أرض الجزيرة وبابل إلى أرض فارس ، فلما نزلنا بأهلها لم يكن إلا ريثما تلقّانا نفران منهم بقتل ملكهم طلبا للحظوة عندنا ، فأمرنا بصلبهما لتجرّئهما وقلّة
--> ( 1 ) م : « الاجتناء » ، د : « الاحتباء » . والاجتباء : الاختيار . ( 2 ) بتجرعه فينا ، يريد استساغتهم هذا الأمر ورضاهم عنه .