جمال الدين بن نباتة المصري
31
سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون
6 - فإنّ العجب أكذب ، ومعرفة المرء نفسه أصوب . قوله : « فإنّ » ، صلة لقوله : « أمّا بعد » ، ولا بدّ من اقتضائها الفاء لردّ الكلام بعضه على بعض . والعجب : ما يعجب الإنسان من نفسه ، أي يستحسنه ، والأصل العجب ؛ كأنه يتعجّب من حسن ما يجد . والكذب ضدّ الصدق ، يقال في المقال والفعال ، وينسب أيضا إلى نفس القول والفعل ، فيقال : فعلة صادقة ، وفعلة كاذبة . ومعنى المثل ، أنّ المعجب من نفسه بحالة يظنّ أنه قد بلغ بها الغاية ، وامتاز بالفضل ؛ وليس الأمر كذلك ، فكأنّ عجبه بنفسه خيّل له مالا صحّة فيه ، فكذّبه . والمعرفة إدراك الشئ بتدبّر لأمره ، وهو أخصّ من العلم ، فيقال : فلان يعرف اللّه ، ولا يقال : « يعلم اللّه » ، متعدّ إلى مفعول واحد ؛ لمّا كان معرفة البشر للّه تعالى هي بتدبّر آثاره دون إدراك ذاته ، ويقال : اللّه يعلم كذا ، ولا يقال : يعرف كذا ، لمّا كانت المعرفة تستعمل في العلم القاصر المتوصّل إليه بتفكّر ، وأصله من عرفت كذا أي أصبت عرفه ، أي رائحته . والمعنى أنّ معرفة الإنسان مقداره حتى لا يتعدّى أطواره أصوب ، وهو يؤيّد قوله : « العجب أكذب » . وهذا مثلان جيّدان ؛ الأوّل ينسب إلى أكثم بن صيفىّ ، والثاني مأخوذ من قوله : « لن يهلك امرؤ عرف قدر نفسه » . [ أكثم بن صيفىّ ] وهو أكثم بن صيفىّ بن رياح التّميميّ ، أشهر حكّام العرب في الجاهليّة وحكمائهم وخطبائهم ، أدرك مبعث النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، وراسله . واختلف في إسلامه ، والأكثر على صحّته « 1 » .
--> ( 1 ) ذكره ابن حجر في الإصابة 1 : 118 - 120 ، في القسم الثالث ؛ وهم -