جمال الدين بن نباتة المصري

22

سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون

ذكر سبب انشاء هذه الرسالة كانت بقرطبة امرأة ظريفة من بنات خلفاء الغرب الأمويين المنسوبين إلى عبد الرحمن بن الحكم المعروف بالدّاخل ، من بنى عبد الملك بن مروان ، تسمّى ولّادة بنت المستكفى باللّه محمد بن المستظهر باللّه عبد الرحمن « 1 » ؛ ابتذل حجابها بعد نكبة أبيها وقتله ؛ وتغلّب ملوك الطوائف عليه ؛ في خبر يطول شرحه . وصارت تجلس للشعراء والكتاب وتعاشرهم وتحاضرهم ، ويتعشّقها الكبراء منهم ، وكانت ذات خلق جميل ، وأدب غضّ ، ونوادر عجيبة ، ونظم جيّد . فمنه ما كتبت به إلى ابن زيدون ، وهي راضية عنه تقول : ترقّب إذا جنّ الظّلام زيارتي * فإنّى رأيت الليل أكتم للسرّ « 2 » وبي منك ما لو كان بالبدر لم ينر * وبالليل لم يظلم وبالنّجم لم يسر وقولها فيه وهي عليه غضبى : إنّ ابن زيدون على فضله * يلجّ بي شتما ولا ذنب لي يلحظنى شزرا إذا جئته * كأنّما جئت لأخصى على

--> ( 1 ) قال ابن بسام : « وأما ولادة التي ذكرها أبو الوليد بن زيدون في شعره فإنها بنت محمد بن عبد الرحمن الناصري ، وكانت في نساء أهل زمانها واحدة أقرانها ، حضور شاهد ، وحرارة أوابد ، وحسن منظر ومخبر ، وحلاوة مورد ومصدر ، وكان مجلسها بقرطبة منتدى لأحرار المصر ، وفناؤها ملعبا لجياد النظم والنثر ، يعشو أهل الآداب إلى ضوء غرتها ، ويتهالك أفراد الشعراء والكتاب إلى سهولة حجابها ، وكثرة منتابها ، تخلط ذلك بعلو نصاب ، وكرم أنساب ، وطهارة أثواب ؛ على أنها - سمح اللّه لها ، وتغمد زللها - اطرحت التحصيل ، وأوجدت إلى القول فيها السبيل ، بقلة مبالاتها ، ومجاهرتها بلذاتها » توفيت سنة 484 وقد قاربت المائة . وانظر الذخيرة 376 وما بعدها ، وملحقات الديوان 793 ( 2 ) الذخيرة 377