جمال الدين بن نباتة المصري
419
سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون
وعلى ذلك فسّر بعض العلماء قوله تعالى : خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ « 1 » ، أي خلق العجل من الإنسان . ومنها : لعمري لقد لاحت عيون كثيرة * إلى ضوء نار باليفاع تحرّق « 2 » تشبّ لمقرورين يصطليانها * وبات على النّار النّدى والمحلّق « 3 » رضيعي لبان ثدي أمّ تحالفا * بأسحم داج عوض لا نتفرّق يعنى أن المحلّق والنّدى حليفان لا يتفرّقان ، كأنهما تحالفا على ذلك عند النار [ ولذا كانت عادة للعرب أن تحلف عند النار ] « 4 » . وفي قوله : « أسحم داج » سبعة أقوال : قيل : هو الرماد ، كانوا يحلفون به . وقيل : اللّيل ، وقيل : الدّم ، فإنّهم كانوا يغمسون أيديهم فيه ويحلفون ، وقيل حلمة الثدي ، [ ويقال بزقّ الخمر ] « 5 » ، وقيل : دماء الذبائح للأصنام ، وقيل الرّحم . وقوله : « رضيعي لبان ثدي أمّ » واحدة ، مبالغة في الوصف بالكرم . وعوض : اسم صنم لبكر بن وائل ، وقيل : من أسماء الدهر ، وأصله أن يكون ظرفا ، تقول : لا أفعله عوض العائضين ، ودهر الدّاهرين ، ثم كبّروه حتى أحلّوه محلّ ما يقسم به ، ومن جعل « عوض » اسم صنم كأنه قال : عوض قسمنا الذي نقسم به . ومنها : ترى الجود يجرى ظاهرا فوق وجهه * كما زان ضوء الهندرانىّ رونق « 6 »
--> ( 1 ) سورة الأنبياء 37 ( 2 ) اليفاع : المرتفع من الأرض والجبل . ( 3 ) تشب ، من شب النار : أوقدها . والمقرور : الذي أصابه القر ؛ وهو البرد . والاصطلاء : الاستدفاء ، والندى : الكرم . . ( 4 ) تكملة من ت . ( 5 ) زيادة من اللسان ( 6 ) في ت « متن الهندواني » .