جمال الدين بن نباتة المصري
14
سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون
وبعد ؛ فإني أمرت بشرح رسالة الوزير أبى الوليد بن زيدون الآتي ذكرها ، وإيضاح براهينها ، الغامض على كثير من سراة الأدب سرّها ، فقلت : ما أنا وصعود هذا الصّرح ، وولوج هذا السّرح ، ومعارضة ذلك البزّ ولست من ذلك الطّرح ! وهل أنا إلا صاحب أبيات تقيم جدرها القريحة المطبوعة ، وكلمات تأتى على العفو فقرها المسجوعة ! فمتى أخرجت عن ظلّ أبياتى ظلمات ، ومتى أبعدت عن رباض سجعى ألمت ؛ هذا مع تشعّب فنون هذه الرسالة ، وإحجام الفضلاء عن الخوض في غدرها السيّالة . فقيل لي : إنا نقتصر من شرحك على الاختصار ، ونهب تقصيرك لما قدّمت بين يدي نجواك من الاعتذار « 1 » ، ونرضى من بيانك بأدنى الحصص ، ونقنع من التاريخ « 2 » الغاصّ ببعض الفرص ، وإذا كنت من الشعراء فما أنت ببعيد من القصص ! فقابلت بالطاعة أمرا قد وجب ، وقلت : إن فاتتنى سلوك الأدب المنظومة فإنّ الامتثال خير من سلوك الأدب . وكنت أعرف ببعض خزائن دمشق الوقفيّة أسفارا فيها للطالب منجع ، وللأفهام الناشئة « 3 » ذكرى تنفع ، فلم يتهيّأ أن أعار منها كتابا ، ولا أراجع من ألسنة حروفها خطابا ، فقلت : هذا عذر آخر لم يكن في الحساب ، وهذا قصد تغلّقت دونه الكتب فإنّها ذات أبواب ، وما بقي إلّا الرجوع إلى صبابة « 4 » الحاصل « 5 » التي أبقتها نوب الدهر ، واستنباط الثّمد إذ أعجز ورود البحر ؛ ثم أمليت شرح هذه الرسالة عن فكر قد مسّه القرح ،
--> ( 1 ) نظر إلى قوله تعالى : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً . ( 2 ) ت : « من تاريخ التاريخ » . ( 3 ) د : « الناسية » . ( 4 ) ت : « صبابات » . ( 5 ) الحاصل من كل شيء : ما بقي وذهب ما سواه ؛ يريد ما بقي من خزانة كتبه .