جمال الدين بن نباتة المصري

392

سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون

بلال ، وعجب الناس من حذقه في هذا التّعريض ونظر يوما إلى ابن هبيرة وعليه ثياب تتقعقع ، فقال : إنّ ثيابه لتسبّح ، أراد بذلك قول الشاعر : إذا لبست قيس ثيابا لزينة * تسبّح من لؤم الجلود ثيابها وكان قد هجا الأزد ، فلمّا قدم يزيد بن المهلّب البصرة قال لأبى الجعد - وكان صديقا للفرزدق : ابعث إلى الفرزدق ، فقال له يوما : ما ذا يعوقك عن يزيد ! أعظم الناس عفوا ، وأسخاهم كفّا . فقال : صدقت ، ولكنّي أخشى أن آتيه فأجد العمانية ببابه ، فيقوم إلىّ رجل منهم ، فيقول : هذا الذي هجانا ، فيضرب عنقي ، فيبعث إليه يزيد فيضرب عنقه ، ويبعث إلى أهل بيتي بديتى ، فإذا يزيد صار أوفى العرب ، وإذا الفرزدق قد ذهب في ما بين ذلك ؛ لا واللّه لا أفعل ، فقال يزيد : أمّا إذ فطن لها فدعه إلى لعنة اللّه . وقيل : إنّ هذا كان مراده . وسمع الفرزدق رجلا يقرأ : « والسّارق والسّارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من اللّه واللّه غفور رحيم » ، فقال الفرزدق : « فاقطعوا أيديهما . . . واللّه غفور رحيم » ! لا ينبغي أن يكون هكذا . قيل : إنما قال : وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ « 1 » ، فقال : هكذا ينبغي أن يكون ! ثم أخذ نفسه بحفظ القرآن بعد ذلك . وسمع رجلا ينشد قول لبيد هذا البيت : وجلا السّيول عن الطّلول كأنّها * زبر تجدّ متونها أقلامها « 2 » فسجد ، فقيل له : ما هذا ؟ فقال : موضع سجدة في الشعر ، أعرفه كما تعرفون مواضع السجود في القرآن !

--> ( 1 ) سورة المائدة 38 . ( 2 ) ديوانه 299