جمال الدين بن نباتة المصري

393

سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون

وسمع راوية جرير ينشد قصيدته البائيّة « 1 » ، فلما قال : * بها برص بأسفل إسكتيها * وضع يده على عنقه ، وأنشد : * كعنفقة الفرزدق حين شابا * فقال : علمت أنه يقول هكذا ، فإنّ شيطاننا في الشّعر واحد . ومرّ يوما بقوم فدعوه للنزول ، فقال : لما ذا ؟ قالوا : لنبيذ ، وجدى حنيذ ، وغناء لذيذ ؛ فقال : وهل يأبى هذا إلا ابن المراغة ! يعنى جريرا ، ثم نزل . واستسقى الحكم بن المنذر ذات يوم لبنا ، فأمر غلامه أن يجعل في القعب خمرا ، ويحلب عليه لبنا ويسقيه ، فلما كرع ، جعل الخمر ينبع من تحت اللبن فشرب ، وقال : بأبى أنت ! إنك ممن تخفى الصدقات وتؤتيها الفقراء . وقال : ما أفحمنى أحد إلا نبطىّ من أهل تيرى ، قال لي : أنت الفرزدق الشاعر ؟ قلت : نعم ، قال : إن هجوتنى تموت زوجتي عيشونة ؟ قلت : لا ، قال : فتموت حمارتى ؟ قلت : لا ، قال : فمن رجلي إلى عنقي في رحم أمّك ! قلت : ويلك ! فلم تركت رأسك ؟ قال : حتى أنظر ما تصنع ! وكان الفرزدق يقول : لقد استراح النّبطىّ من حيث تعب الكرام . ومن محاسن شعره قوله : تصرّم منّى ودّ بكر بن وائل * وما خلت باقي ودّها يتصرّم « 2 » قوارص تأتيني ويحتقرونها * وقد يملأ القطر الإناء فيفعم

--> ( 1 ) يهجو فيها الراعي النميري ، مطلعها : أقلّى اللّوم عاذل والعتابا * وقولي إن أصبت لقد أصابا ديوانه 64 - 80 . ( 2 ) ديوانه 756 .