جمال الدين بن نباتة المصري
368
سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون
فلا يقدر عليه ؛ إلى أن أمّنه النعمان ، وكان يعجبه ما يسمع عنه ، فلمّا راه استزرى منظره ؛ فقال : « لأن تسمع بالمعيدىّ خير من أن تراه » ، فقال : أبيت اللعن ! إن الرجال ليسوا « 1 » بجزر ، وإنّما يعيش المرء بأصغريه : قلبه ولسانه . ومعيد اسم قبيلة ، وفيها يقول الشاعر : * ستعلم ما تغنى معيد ومعرض * [ النعمان بن المنذر ] والنعمان هذا هو ابن المنذر بن النعمان بن عمرو ، آخر ملوك العرب بالحيرة من قبل كسرى . وله أخبار وأقوال ؛ ومن أغرب ما ذكر منها كلامه عند كسرى في فضل العرب ؛ وذلك أنه وفد على كسرى ، وعنده وفود الرّوم والهند وغيرهم ، فذكروا ملوكهم وفضلهم ، وأفاض النعمان في ذكر العرب وفضلهم على الأمم ، لا يستثنى فارس ولا غيرها ؛ فتمعّر وجه كسرى « 2 » ، وذكر كلاما ينتقص فيه العرب ، ويفضّل عليهم الأمم ، فقال النعمان : أصلح اللّه الملك ! أمّا أمّتك فليست تنازع في الفضل لموضعها الّذى هي به ؛ من عقلها وحلمها ، وبسط حكمها ، وما أكرمها اللّه تعالى به من ولاية آبائك ، وولايتك . وأما الأمم التي ذكرت فأىّ أمة تقرنها بالعرب إلا فضلتها . فقال كسرى : بما ذا ! قال : بعزّتها ومنعتها ، وبأسها وسخائها ، وحسن وجوهها ، وحكمة ألسنتها ، ووفائها ، وأحسابها وأنسابها . فأما عزّتها ومنعتها فإنها لم تزل مجاورة للملوك الّذين دوّخوا البلاد ، وقادوا الجنود ، لم يطمع فيهم طامع ؛ حصونهم ظهور خيلهم ، ومهادهم الأرض
--> ( 1 ) ت : « ليست » . ( 2 ) تمعر وجهه : تغير في غضب .