جمال الدين بن نباتة المصري

369

سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون

وجنّتهم السيف « 1 » ، وعدّتهم الصبر ، إذ غيرهم من الأمم إنّما عزّها الحجارة والطّين ، وجزائر البحار . وأمّا سخاؤها ؛ فإن أدنى رجل منهم يكون عنده البكرة أو النّاب ، عليها بلاغة من حمولتها ، وشبعه وريّه ، فيطرقه الطارق الذي يكتفى بالفلذة ، ويجتزى بالشّربة ، فيعقرها له ، ويرضى أن يخرج له عن دنياه كلّها في ما يكسبه حسن الأحدوثة ، وطيب الذّكر . وأمّا حسن وجوهها وألوانها ؛ فقد يعرف فضلهم في ذلك على غيرهم من الهند المتحرّقة ، والرّوم المقشّرة ، والتّرك المشوّهة . وأمّا ألسنتها ؛ فإنّ اللّه أعطاهم في أشعارهم ، ورونق كلامهم وحسنه ووزنه ، وضربهم الأمثال ، ومعرفتهم بالإشارة ، وإبلاغهم في الصفات ما ليس في ألسنة الأجناس . وأمّا وفاؤها ، فإنّ أحدهم ليبلغه أنّ أحد الرّجال استجار به ، وعسى أن يكون نائيا عن داره ، فيصاب فلا يرضى حتى يفنى تلك القبيلة التي أصابته ، أو يصاب قبله ؛ لما أخفر من جواره . وإنّ أحدهم ليرفع عودا من الأرض فيكون رهنا لا يغلق ولا تخفر ذمّته . وكذلك تمسّكها بشريعتها ، وهو أنّ لهم أشهرا حرما ، وبيتا محجوجا ، ينسكون منه مناسكهم ، فيلقى الرّجل قاتل أبيه وأخيه وهو قادر على أخذ ثأره فيمنعه دينه ، ويحجزه كرمه [ عن تناوله بأذى ] . « 2 » وأما أنسابها وأحسابها ؛ فليست أمّة من الأمم إلا وقد جهلت أصولها ، وكثيرا من أوّلها وآخرها ، حتّى إنّ أحدهم يسأل عمّا وراء أبيه فلا ينسبه ولا يعرفه ، وليس أحد من العرب إلّا يسمى أباءه أبا فأبا ؛ حاطوا بذلك

--> ( 1 ) ت : « السيوف » . ( 2 ) من ت .