جمال الدين بن نباتة المصري

349

سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون

ليس في الأرض أحمق منكم يا أهل خراسان في طاعتكم لهذا الرّجل ، قبل أن تراجعوه في شيء وتسألوه عنه ، واللّه ما رضيت الملائكة بهذا عند اللّه عزّ وجلّ حتى راجعته في أمر آدم عليه السلام ، فقالوا : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ حتى قال تعالى : إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ « 1 » . فشدّد عليه أبو مسلم ، ثم كتب إليه عبد اللّه رسالته التي يقول فيها : « إلى أبى مسلم ، من الأسير في يديه ، بغير [ ذنب إليه ، ولا ] « 2 » خلاف عليه . أمّا بعد فإنّك مستودع ودائع ، ومولى صنائع ، وإنّ الودائع مرعيّة ، والصنائع عاريّة ، فاطلب الخلاص ، وإلّا اذكر القصاص « 3 » ، فإنك لاق ما أسلفت ، وغير لاق ما خلّفت ، وفّقك اللّه لما ينجيك ، وألهمك شكر ما خوّلك » « 4 » . فلما قرأ كتابي « 5 » به رمى به ، ثم قال : أفسد علينا أصحابنا وهو محبوس في أيدينا ، فلو خرج وملك أمرنا لأهلكنا . ثم أمضى تدبيره في قتله ، فدسّ إليه سمّا فمات ، ووجّه برأسه إلى ابن ضبارة ، فحمله إلى مروان « 6 » . ومن شعره وما يتعلّق به ، حكاية حكاها إبراهيم الموصلىّ ، قال : بينما أنا عند الرّشيد وعنده ابن جامع وعمر الغزّال وغيرنا من الندماء والمغنّين ، إذ قال صاحب السّتارة لابن جامع : تغنّ من شعر عبد اللّه بن معاوية - ولم يكن ابن جامع يغنى في شيء من شعره ولا يعرفه ، وكنت قد تقدّمت فيه - فأرتج على ابن جامع ، فلما رأيت ما حلّ به اندفعت فغنيت لعبد اللّه :

--> ( 1 ) سورة البقرة 30 ( 2 ) من الأغانى . ( 3 ) الأغانى : « واذكر القصاص » . ( 4 ) الأغانى : « وأنال شكر ما يبليك » ، والإبلاء هنا : الإنعام والإحسان » . ( 5 ) ط : « كتابه » . ( 6 ) الأغانى 12 : 230 ، 231 .