جمال الدين بن نباتة المصري

325

سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون

وكان فطنا ذكيّا ، محبّا للشعراء وأصحاب الفضل ، فلم يزل يعانيه حتى ملكه ، وسار ذكره في العصر ، وبلغ المعتصم إذ ذاك خبره ، فرحل إليه سرّا برأي بعض أصدقائه ومحبّيه ، فعرض عليه قصائده ، فقدّمه على جميع شعراء وقته وزمنه . حدّث علىّ بن الجهم ، قال : كان الشعراء يجتمعون في كلّ جمعة في القبّة المعروفة بهم بجامع بغداد ، ينشدون الشّعر ، ويعرض كلّ منهم على أصحابه ما يكون قد نظمه بعد مفارقتهم في الجمعة التي قبلها ، فبينا أنا في جمعة من تلك الجمع ، ودعبل وابن أبي الشّيص « 1 » ، وابن أبي فنن ، والنّاس مجتمعون يسمعون إنشاد بعضهم بعضا ، أبصرت شابّا في أخريات الناس جالسا في زىّ الأعراب فلما فرغ كلّ منهم وقطع إنشاده ، التفت الشابّ إلينا ، وقال : قد سمعت إنشادكم منذ اليوم ، فاسمعوا إنشادى ، فقلنا : هات ، فأنشد : * فحواك عين على نجواك يا مذل « 2 » * ثم مرّ فيها منشدا حتى أتى إلى قوله : تغاير الشّعر فيه إذ سهرت له * حتى ظننت قوافيه ستقتتل فعقد ابن أبي الشّيص عند هذا البيت خنصره ، ثم مرّ فيها الشابّ إلى أن أتى على آخرها . ثم أنشد قصيدة أخرى فقلنا له : أيّها الشابّ ، لمن هذا الشعر ؟ فقال : لمن أنشدكموه ، قلنا له : ناشدناك اللّه ! من تكون ؟ فضحك ، وقال : أنا أبو تمام الطائىّ ، فرفعنا مجلسه حينئذ ، وعظمناه تعظيما كبيرا ، واشتدّ إعجابنا به لدمائة أخلاقه ، وفصاحة منطقه ، وجودة شعره ؛ ثم إنني ما عرفت عقد خنصر

--> ( 1 ) هو عبد اللّه ، ذكره ابن المعتز في طبقات الشعراء 365 . ( 2 ) ديوانه 3 : 5 يمدح فيها المعتصم ، وبقيته : * حتّام لا يتقضّى قولك الخطل *