جمال الدين بن نباتة المصري

326

سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون

ابن أبي الشيص ، هل كان إعجابا به ممّا سمع في البيت من البديع المرقص ، أو أخذا عليه في اسكان الياء في قوله : « حتى ظننت قوافيه » ، أعنى من لفظة « قوافيه » ، وهي ضرورة جائزة عند الشعراء ! ثم ترقّت حال أبى تمام وتموّل بالمال الجزيل حتى عاد إلى بلده ، فضرب خياما ، وأظهر نعمة وأثاثا ، فخرجت امرأة من بعض أحياء العرب ومعها أختها يستقيان ، فتأمّلته زمانا ثم التفتت إلى صاحبتها وقالت : أتدرين الرّجل ؟ قالت : لا واللّه ، قالت : بلى واللّه أنا أعرفه ، قالت : ومن هو ؟ قالت : إنه واللّه أقيرع جاسم ، فلما سمع ما قالت النسوة ، رحل من وقته وساعته ، وعاد إلى الموصل ، فما زال بها إلى أن مات رحمة اللّه تعالى عليه . وحكى البحترىّ ، قال : دخلت على سعيد بن سلم الطائىّ ، فأنشدته قصيدتي في مدحه التي أوّلها : * أأفاق صبّ من هوى فأفيقا * « 1 » وإلى جانبه شخص لا أعرفه ، فلمّا فرغت منها أقبل علىّ ذلك الشخص ، وقال : أما تستحى أن تنتحل شعري ، وتنشده بحضوري ! ثم مرّ في القصيدة فأنشدها من حفظه ، فتغيّر وجه سعيد ، والتفت إلىّ وقال : يا بن أخي ، قد كان في الوسائل عندنا مندوحة عن سرقة الشّعر ، فخرجت كاسف البال ، وسألت عن الرّجل ، فقيل : إنه أبو تمّام الطائىّ ، فلما بعدت لحقني الحاجب وأمرني بالعود ، وإذا أبو تمّام يضحك ، فاستدنانى ، وقال : يا سيّدى ، الشعر لك ، وإنما هذه عادتي في حفظ القصيدة من مرّة واحدة . ولقد نعيت إلىّ نفسي

--> ( 1 ) ديوانه 1 : 145 وبقيته : أم خان عهدا أم أطاع شقيقا وفيه « : يمدح محمد بن يوسف »