جمال الدين بن نباتة المصري

261

سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون

وقال زيد بن داود : رأيت في المنام كأن القبر انفرج ، وإذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قاعد ، والنّاس مصفوفون ، فصاح صائح : أين مالك بن أنس ؟ فجاء مالك حتّى انتهى إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فأعطاه شيئا ، فقال : فرقه على الناس « 1 » ، فإذا هو مسك . وقال الشافعىّ رحمه اللّه تعالى : قال لي محمّد بن الحسن : أيّهما أعلم ؟ صاحبنا أم صاحبكم ؟ يعنى أبا حنيفة ومالكا رضى اللّه تعالى عنهما ، فقلت : على الإنصاف ؟ قال : نعم ، فقلت : ناشدتك اللّه ! من أعلم بالقرآن ؟ قال : اللّهمّ صاحبكم ، قلت : فمن أعلم بالسنّة ؟ قال : اللهمّ صاحبكم ، قلت : فمن أعلم بأقاويل الصحابة ؟ قال : اللهمّ صاحبكم ، قلت : فلم يبق إلا القياس ، والقياس لا يكون إلّا على هذه الأشياء ، فعلى أىّ شيء يقيس ؟ وقال وهب : سمعت مناديا ينادى : ألا لا يفتى النّاس إلا مالك بن أنس وابن أبي ذؤيب . وقال محمد بن جعفر : لمّا دعى مالك وأشار وقبل منه ، حسده الناس وبغوه بكلّ شيء ، فلمّا ولّى جعفر بن سليمان سعوا به إليه ، وقالوا : إنه لا يرى أيمان بيعتكم هذه بشئ ، وهو يأخذ بحديث رواه الأحنف في طلاق المكره ؛ أنّه لا يجوز ، فدعا جعفر بمالك - وقد غضب - فاحتجّ عليه بما قيل عنه ، ثم جرّده وضربه بالسياط ، ومدت يده حتى خلعت يداه وكتفاه « 2 » ، فو اللّه ما زال مالك بعد ذلك في رفعة من الناس ، وعلوّ من قدره ، وإعظام من الناس له ؛ حتى كأنّما كانت تلك السياط التي ضرب بها حليّا حلى به .

--> ( 1 ) ت : « قسم هذا على الناس » . ( 2 ) ت : « ومدت يداه حتى خلع كتفاه » .