جمال الدين بن نباتة المصري
256
سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون
مستطرفا من غيركم ، فهو تلاد فيكم ، حتّى ربّما دعا ذلك كثيرا من النّاس إلى مخالفة أمركم ، فلا أنتم عن ذلك تنكلمون « 1 » ولا على سالف إحسانكم تندمون ، وما مثلكم إلا كمثل عيسى بن مريم حين كان لا يمرّ بملإ من بني إسرائيل إلا أسمعوه شرّا ، وأسمعهم خيرا ، فقال له شمعون الصّفا : ما رأيت كاليوم ؛ كلّما أسمعوك شرّا أسمعتهم خيرا ! فقال : كلّ امرئ ينفق مما عنده ، وليس عندكم إلا الخير ، ولا في أوعيتكم إلا الرّحمة ، وكل إناء بالذي فيه ينضح . ومن كلامه في المعنى : زيّنك اللّه بالتقوى ، وكفاك ما أهمّك من الآخرة والأولى . من عاقب - أبقاك اللّه تعالى - على الصّغيرة عقوبة الكبيرة وعلى الهفوة عقوبة الإصرار ، فقد تناهى في الظّلم . ومن لم يفرّق بين الأسافل والأعالي ، والأدانى والأقاصى فقد قصّر ، واللّه لقد كنت أكره سرف الرضا مخافة أن يؤدّى إلى سرف الهوى ، فما ظنّك بسرف الغيظ ، وغلبة الغضب ، من طبّاش ، عجول فحّاش ، ومعه من الخرق بقدر قسطه من التهاب المرّة الحمراء ! وأنت روح كما أنت جسم ، وكذلك جنسك ونوعك ، ألا إنّ التأثّر في الرّقاق أسرع ، وضدّه في الغلاظ الجفاة أكمل ، ولذلك اشتدّ جزعي عليك من سلطان الغيظ وغلبته ، فإذا أردت أن تعرف مقدار الذّنب إليك من مقدار عقابك عليه فانظر في علّته ، وفي سبب إخراجه ، إلى معدنه الذي منه نجم ، وعشّه الذي منه درج ؛ وإلى جهة صاحبه في التسرّع والثّبات ، وإلى حلمه عند التّعريض ، وفطنته عند التوبة ، فكلّ ذنب كان سببه ضيق صدر من جهة القبض في المقادير ، أو من طريق الأنفة ، وغلبة طباع الحميّة من جهة الجفوة
--> ( 1 ) ت : « تتكلون » .