جمال الدين بن نباتة المصري
257
سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون
أو من جهة استحقاقه في ما زيّن له عمله أنه مقصّر به في حقه ، مؤخّر عن رتبته ، أو كان مبلّغا عنه ، مكذوبا عليه ، أو كان ذلك جائزا فيه ، غير ممتنع منه . فإذا كانت ذنوبه من هذا الشكل فليس يقف عليها كريم ، ولا ينظر فيها حليم ، ولست أسمّيه بكثرة معروفه كريما ؛ حتى يكون عقله غامرا لعلمه ، وعلمه غالبا على طباعه ، كما لا أسميه بكفّ العقاب حكيما ؛ حتى يكون عارفا بمقدار ما أخذ وترك . ومتى وجدت الذّنب بعد ذلك لا سبب له إلّا البغض المحض ، والنّفار الغالب ، فلو لم ترض لصاحبه بعقاب دون قعر جهنم ، لعذرك كثير من العقلاء ، وصوّب رأيك عالم من الأشراف ؛ والأناة أقرب من الحمد ، وأبعد من الذمّ ، وأنأى من خوف العجلة ؛ وقد قال الأوّل : عليك بالأناة ، فإنّك على إيقاع ما تتوقّعه أقدر منك على ردّ ما قد أوقعته . وليس يصارع الغضب أيام شبابه شيء إلا صرعه ، ولا ينازعه قبل انتهائه إلا قهره ، وإنّما يحتال له قبل هيجه ، فمتى تمكّن واستفحل ، وأذكى ناره وأشعل ، ثم لاقى من صاحبه قدرة ، ومن أعوانه سمعا وطاعة ، فلو استبطنته بالتّوراة ، وأوجرته « 1 » بالإنجيل ، ولددته « 2 » بالزّبور ، وأفرغت على رأسه القران إفراغا ، وأتيته بآدم شفيعا ؛ لما قصّر دون أقصى قوّته ، ولن يسكن غضب العبد إلا ذكّره غضب الربّ . فلا تقف - حفظك اللّه - بعد مضيّك في عتابى التماسا للعفو عنّى ، ولا تقصّر عن إفراطك من طريق الرحمة بي ، ولكن قف وقفة من يتّهم الغضب على عقله ، والشيطان على دينه ، ويعلم أن للكرم أعداء ، ويمسك إمساك من لا يبرّئ نفسه من الهوى ، ولا يبرّئ لهوى من الخطأ ، ولا تنكر لنفسك أن تزلّ ،
--> ( 1 ) وجرته الدواء ، وأوجرته إياه ؛ جعلته في فيه . ( 2 ) اللدود ، كصبور وكريم : ما يصب بالمسعط من الدواء في إحدى شقى الفم .