جمال الدين بن نباتة المصري
240
سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون
مسمّى ، فلمّا تمت له مواهب اللّه وعاريته ، قبض إليه العارية ، ثم أعطى أمير المؤمنين من الشكر عند بقائها ، والصّبر عند ذهابها أنفس منها في المنقلب ، وأرجح في الميزان ، وأسنى في العوض . فالحمد للّه رب العالمين ، وإنا للّه وإنا إليه راجعون ! وكتب موصّيا بشخص ، يقول : حقّ موصّل كتابي إليك كحقّه علىّ ، إذ جعلك موضعا لأمله ، ورآني أهلا لحاجته ، وقد أنجزت حاجته ، فصدّق أمله . وكتب يعرّض بشعار بنى العياس الأسود من رسالة : فرويدا حتى ينضب السّيل ، وتمحى آية الليل « 1 » . وكتب في فتنة بعض العمّال من رسالة : حتى اعترانى حنادس جهالة ، ومهاوى سبل ضلالة ، ذلّلا لسياقه ، وسلّما في قياده ، إلى نزل من حميم ، وتصلية جحيم ، سوى ما أنتجت الحفيظة في نفسه من عوائد الحسك « 2 » ، وقدحت الفتنة في قلبه من نار الغضب ؛ مضادّة للّه تعالى بالمناصبة ، ومبارزة لأمير المؤمنين بالمحاربة ، ومجاهدة للمسلمين بالمخالفة ؛ إلى أن أصبح بفلاة قفر ، وتيه صفر ، بعيدة المناط ، يقطع دونها النّياط ، وكذلك يفعل اللّه بالظّالمين ، ويستدرجهم من حيث لا يعلمون « 3 » . وكتب من رسالة أخرى إلى أهله ، وهو منهزم مع مروان : أمّا بعد ، فإنّ اللّه تعالى جعل الدّنيا محفوفة بالكره « 4 » ، والسرور ، فمن
--> ( 1 ) أوردها محمد كردعلي في أمراء البيان 1 : 57 ، قال : ومن رسالة كتب بها عن مروان لفرق العرب حين فاض العجم من خراسان بشعار السواد ، قائمين بالدولة العباسية : « فلا تمكنوا ناصية الدولة العربية ، من يد الفئة الأعجمية ، واثبتوا ريثما تنجلى هذه الغمرة ، ونصحوا من هذه السكرة ، فسينضب السيل ، وتمحى آية الليل ، واللّه مع الصابرين ، والعافية للمتقين » . ( 2 ) الحفيظة : الغضب ، والحسك : الحقد والعداوة . وعوائد : رواجع . ( 3 ) هذه الرسالة لم ترد في ت . ( 4 ) ت : « المكروه » .