جمال الدين بن نباتة المصري
241
سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون
ساعده الحظّ فيها سكن إليها ، ومن عضّته بنابها ذمّها ساخطا عليها ، وشكاها مستزيدا لها ، وقد كانت أذاقتنا أفاويق « 1 » استحليناها ، ثم جمحت بنا نافرة ، ورمحتنا « 2 » مولية ، فملح عذبها ، وخشن ليّنها ، فأبعدتنا عن الأوطان ، وفرّقتنا عن الإخوان ، فالدّار نازحة ، والطّير بارحة « 3 » . وقد كتبت والأيّام تزيدنا منكم بعدا ، وإليكم وجدا ، فإن تتمّ البلية إلى أقصى مدّتها يكن آخر العهد بكم وبنا ، وإن يلحقنا ظفر جارح من أظفار من يليكم « 4 » ، نرجع إليكم بذلّ الإسار ، والذّل شرّ جار . نسأل اللّه الّذى يعزّ من يشاء ، ويذلّ من يشاء ، أن يهب لنا ولكم ألفة جامعة ، في دار آمنة ، تجمع سلامة الأبدان والأديان ، فإنّه ربّ العالمين ، وأرحم الراحمين . ومن كلام عبد الحميد وصيّته المشهورة عند الكتّاب . ومن شعره رحمه اللّه : ترحّل ما ليس بالقافل * وأعقب ما ليس بالزّائل فلهفى لذي خلف قادم * ولهفى على سلف راحل ! سأبكى على ذا وأبكى لذا * بكاء مولهة ثاكل فتبكى من ابن لها قاطع * وتبكى على ابن لها واصل ومنه أيضا : كفى حزنا أنى أرى من أحبّه * قريبا ولا غير العيون تترجم فأقسم لو أبصرتنا حين نلتقى * ونحن سكوت خلتنا نتكلّم
--> ( 1 ) الأفاويق : ما اجتمع في السحاب من ماء فهو يمطر ساعة بعد ساعة . ( 2 ) رمحتنا : رفستنا . ( 3 ) البارح من الطير : ما مر من ميامنك إلى مياسرك ؛ وهو مما يتشاءم منه . ( 4 ) ت : « ممن يليكم » .