جمال الدين بن نباتة المصري
228
سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون
والنظّام معه ، وهو غلام حدث كالتّبع له ، فرآه محترقا ، فقال أبو الهذيل : لا أعرف لجزعك وجها ، إذا كان النّاس عندك كالزرع ! فقال صالح : يا أبا الهذيل ، إنّما أجزع عليه ، لأنّه لم يقرأ كتاب « الشكوك » ، فقال أبو الهذيل : وما كتاب الشّكوك ؟ قال : كتاب وضعته ، من قرأه شكّ في ما كان حتى يتوهّم أنه لم يكن ، وفي ما لم يكن حتى يظنّ أنه قد كان . فقال له النّظّام : فشكّ أنت في موت ابنك ، واعمل على أنه لم يمت وإن مات ، وشكّ أيضا في أنه قد قرأ هذا الكتاب وإن لم يكن قرأه ! فحصر صالح . وكان مذهبه مذهب السّوفسطائيّة ، فإنّهم يزعمون أنّ الأشياء لا حقيقة لها ، وأن ما يستبعده « 1 » الإنسان يجوز أن يكون على ما يشاهده ، ويجوز أن يكون على غير ما يشاهده ، وإنّ حال اليقظان كحال النائم . وحكى الجاحظ ، قال : تجاذبت يوما وإيّاه حديث الطّيرة ، فقال : أخبرك ، أنّى جعت حتى أكلت الطين ، وما صرت إلى ذلك حتى قلّبت قلبي ؛ أتذكر هل ثمّ رجل أصيب عنده غداء أو عشاء ! فما قدرت عليه - وكان علىّ جبّة وقميص - فبعت القميص ، ثم قصدت الأهواز وما أعرف بها أحدا ، وما كان ذلك ناشئا إلا عن الحيرة والضّجر ، فوافيت الفرضة فلم أصب « 2 » بها سفينة ، فتطيّرت من ذلك . ثم إنّى رأيت سفينة في صدرها خرق وهشم فتطيّرت أيضا ، فقلت للملّاح : تحملني ؟ قال : نعم ، قلت : ما اسمك ؟ قال : « داوداذ » بالفارسية - وهو اسم الشيطان - فتطيرت وركبت معه ، فلما قربت من الفرضة صحت : يا حمّال - ومعي لحاف سمل ، ومضربة خلق ، وبعض ما لا بدّ لمثلى « 3 » منه - فكان أول حمال أجابني أعور ، فقلت لبقّار كان واقفا : بكم تكرى ثورك
--> ( 1 ) كذا في ت ، وفي ط ، د : « نستبعده » . ( 2 ) ط ، د : « أجد » . ( 3 ) ت : « لي » ، وهي ساقطة من م .