جمال الدين بن نباتة المصري
229
سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون
هذا إلى الخان ؟ فلمّا أدناه منى إذا هو أعضب « 1 » ، فازدادت طيرة إلى طيرة ، وقلت في نفسي : الرّجوع أسلم ، ثم ذكرت حاجتي إلى أكل الطّين ، وقلت : ومن لي بالموت ! فلما صرت إلى الخان وأنا حائر ما أصنع ، إذ سمعت قرع باب البيت الذي أنا فيه ، فقلت : من هذا ؟ فقال : رجل يريدك ، فقلت : من أنا ؟ فقال : إبراهيم بن سيّار النّظّام ، فقلت : هذا عدوّ ورسول سلطان ! ثم إني تحاملت وفتحت له الباب ، فقال : أرسلني إليك إبراهيم بن عبد العزيز ، ويقول لك : إن كنّا اختلفنا في المقالة ، فإنا نرجع بعد ذلك إلى حقوق الأخلاق والحرّية ، وقد رأيتك حيث مررت بي على حال كرهتها ، وينبغي أن تكون نزعت بك حاجة ، فإن شئت فأقم بمكانك مدّة شهر أو شهرين ، فعسى نبعث إليك ببعض ما يكفيك « 2 » زمانا من دهرك ؛ وإن اشتهيت الرّجوع ؛ فهذه ثلاثون دينارا فخذها وانصرف ، وأنت أحقّ من عذر . قال : فورد علىّ أمر أذهلني ، أمّا واحدة ؛ فإنّى لم أكن ملكت قبل في جميع دهري ثلاثين دينارا ، والثانية أنه لم يطل مقامي وغيبتي عن أهلي ، والثالثة ما تبيّن لي من الطّيرة أنها باطل . وتوفّى النظام سنة إحدى وعشرين ومائتين ، وله من العمر ستّ وثلاثون سنة . وله كلام حسن ، وشعر رقيق . ومن كلامه : العلم شيء لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلّك ، فإذا أعطيته كلّك فأنت من إعطائه لك البعض على خطر . وقال : كنّا نلهو بالأمانىّ ، ونعد أنفسنا بالمواعيد ، فذهب من كان ينجز ، ثم اشتغلنا بالهموم عن الأمانىّ « 3 » . وقال : مما يدلّ على لؤم الذهب والفضة صيرورتهما عند اللئام ، فالشىء
--> ( 1 ) الأعضب : مكسور القرن ؛ وكانوا مما يتطيرون به . ( 2 ) ت : « بما يكفيك » . ( 3 ) ط ، م : « الآمال » .