جمال الدين بن نباتة المصري

183

سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون

وكان عنده يوما بعض ندمائه ؛ وقد أدركته سنة ، فعطس النّديم عطسة منكرة ، ففزع الحجّاج وقام منكرا مغضبا ، وقال : ما أردت بهذه العطسة إلا أن تروّعنى ! فقال : أيّها الأمير ، هذه واللّه عادتي ، فقال : واللّه إن لم تأتني بشاهد على ذلك وإلّا ضربت عنقك . فخرج الرّجل فوجد بعض أصحابه ، فقصّ عليه الأمر ، فقال : أنا أشهد لك . فدخلا على الحجّاج فقال لصاحبه : بم تشهد ؟ فقال : أيّها الأمير ، أشهد بأنّه عطس يوما عطسة وقع منها ضرسه . فضحك الحجّاج حتى استلقى ، فقال : حسبك ! وأمر بهما فأخرجا . وكان قليل الضّحك إلا أن يغلب عن نفسه . وأما فصاحته وبلاغته ، فمنها خطبه المشهورة المطوّلة [ المذكورة في الكتب بأيدي الناس ، مثل يوم دير الجماجم وغيره ] « 1 » ، وفصوله الموجزة في المكاتبات ، وعلى المنابر . قال مالك بن دينار : واللّه لربّما رأيت الحجّاج [ يتكلّم ] « 2 » على المنبر ، ويذكر حسن صنيعه إلى أهل العراق ، وسوء صنيعهم له حتى يخيّل لي أنه مظلوم . وقال الحسن البصرىّ : لقد وقذتنى « 3 » كلمة سمعتها من الحجّاج ؛ يقول على هذه الأعواد : إن امرأ ذهبت ساعة من عمره في غير ما خلق له لجدير أن تطول حسرته ، [ فقام إليه رجل فقال : يا حجّاج ، ما أقبح وجهك ! تقول ما تقول وتفعل ما تفعل ! فأمر به فأخذ ، فلما نزل من على المنبر قال له : لقد تجرّأت علىّ ! فقال له : يا حجّاج استح من اللّه ! تجرّأت عليه ولا تنكره على نفسك ، وأتجرّأ ؟ عليك فتنكره علىّ ! فخلّى سبيله ] « 4 » .

--> ( 1 ) من ت . ( 2 ) من ط . ( 3 ) ت : « أيقظتنى » . ( 4 ) تكملة من ت .