جمال الدين بن نباتة المصري

184

سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون

وخطب يوما فقال : أيّها الناس ، اقدعوا هذه الأنفس ، فإنها أسأل شيء إذا أعطيت ، وأعطى شيء إذا سئلت ؛ فرحم اللّه امرأ جعل لنفسه خطاما وزماما ، فقادها بخطامها إلى طاعة اللّه ، وعطفها بزمامها عن معصية اللّه ؛ فإنّى رأيت الصبر عن « 1 » محارمه أيسر من الصبر على عذابه . وبلغه وفاة أخيه وابنه ، فصعد المنبر ، وقال : محمدان في يوم ! أما واللّه ما كنت أحبّ أن يكونا معي في الدنيا بما أرجو لهما من ثواب الآخرة ، وأيم اللّه ليوشكنّ الباقي منّا ومنكم أن يفنى ، والجديد أن يبلى ، وستدال الأرض منّا فتأكل من لحومنا ، وتشرب من دمائنا ، كما أكلنا من ثمارها وشربنا من مائها « 2 » . وخطب يوما فقال : إنّ اللّه أمرنا بالعمل ، وكفانا الرّزق ، فليتنا لو أمرنا بالرزق ، وكفينا العمل ! وقال : أيّها الناس ، واللّه ما أحبّ أنّ ما مضى من الدنيا بعمامتى هذه ؛ ولما مضى منها أشبه بما بقي من الماء بالماء . ولما قتل عبد اللّه بن الزبير ارتجّت مكة بالبكاء ، فصعد الحجاج المنبر فقال : ألا إنّ ابن الزبير كان من أحبار هذه الأمّة ، حتى رغب في الخارفة ، ونازع فيها ، وخلع طاعة اللّه ، واستكنّ بحرم اللّه ؛ ولو كان شيء مانعا للعصاة لمنع « 3 » آدم حرمة الجنة ؛ لأنّ اللّه تعالى خلقه بيده ، وأسجد له ملائكته ، وأباحه جنّته ، فلمّا عصاه أخرجه منها بخطيئته ، وآدم على اللّه أكرم من ابن الزّبير ، والجنّة أعظم حرمة من الكعبة . وخطب يوما فقال : أيّها الناس ، من ادّعى داءه ، فعندي دواؤه ، ومن ثقل عليه رأسه وضعت عنه ثقله . إن للشيطان طيفا ، وللسلطان سيفا ، فمن وضعه

--> ( 1 ) م : « على » . ( 2 ) ط : « أنهارها » . ( 3 ) د : « لمنعت »