جمال الدين بن نباتة المصري
149
سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون
رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ من البيان لسحرا » « 1 » . واخلف قوم في معنى الحديث : « إنّ من البيان لسحرا » ؛ فقال قوم : أريد به المدح ؛ فإنّ البيان الفهم ؛ وإنّما سمّى سحرا لحدّة عمله ، وسرعة قبول القلب له ، والتعجّب منه كما يتعجّب من السّحر ؛ وقد اتّفق الناس على أن تصوير الحق في صورة الباطل ، والباطل في صورة الحق ، من أعلى درجات البلاغة . وقال قوم : أريد به الذمّ ، لأن السّحر تمويه ، والبيان كثرة الكلام والنّفاق ، واحتجّوا بقوله عليه السلام : « الحياء والعيّ شعبتان من الإيمان ، والبذاء والبيان شعبتان من النفاق » « 2 » ، والأول أصحّ ؛ وإنّما سمى البيان هنا نفاقا إذا كان من البذاء . وحكى العتبىّ ، قال : وفد الأحنف وعمرو بن الأهتم على عمر بن الخطاب رضى اللّه تعالى عنه ، فأراد أن يقرع بينهما في الرئاسة ، فلما اجتمعت بنو تميم قال الأحنف - وهي من سقطاته : ثوى قدح عن قومه طول ما ثوى * فلمّا أتاهم قال قوموا ففاخروا « 3 » فقال عمرو : إنّا كنّا نحن وأنتم في دار جاهليّة ، وكان الفضل فيها لمن جهل ؛ فسفكنا دماءكم ، وسبينا نساءكم ، ونحن اليوم في دار الإسلام ، والفضل فيها لمن حلم ، فغفر اللّه لنا ولك ! فغلّب يومئذ عمرو على الأحنف ، ووقعت القرعة لآل الأهتم ، فقال عمرو : ولمّا دعتني للرّئاسة معشر * لدى مجلس أضحى به النّجم باديا شددت لها أزرى وقد كنت قبلها * لأمثالها قدما أشدّ إزاريا وتوفّى في سنة سبع وخمسين . وكان يقول : أشجع الناس من ردّ جهله بحلمه .
--> ( 1 ) الخبر في جمهرة الأمثال للعسكرى 1 : 13 ، 14 . ( 2 ) نقله السيوطي في الجامع الصغير 1 : 260 . ( 3 ) د : « نفاخر » .