الشيخ عبد الواحد محمد بن الطواح

219

سبك المقال لفك العقال

قال : إن الحريري « 1 » لم يكن مجيدا في الانشاءات السلطانية ، وإنما كان مجيدا في الحكايات المسجوعة « 2 » ولم يكن يجيد الإنشاء ؛ فقد كلّف بأشياء عجز عنها ، وحكى العماد الأصبهاني « 3 » عنه ضد ما ذكر صاحب المثل السائر ، وذكر من كتبه البديع ما يسحر العقول في خريدته ، وهي من الكتب الغريبة العجيبة ، قال أبو عمرو الجاحظ : « ما اجتمعت جودة الكتابة والشعر لأحد من الخلق » ، رأيت له استدعاء للديار المصرية ليجيزوه ، وهو « سلام اللّه الأرج فوحه ، الممتزج بالأرواح ريحانه وروحه ، يتنسم نسيم ريّاه فيزيد نشره ما ينافحه عصاره وذكاء ويتنسم نسيم محيّاه فيعيد بشره ما يصافحه إنارة وضياء ، يختص أندية

--> - وتعلم بالموصل ، وولي أمر الوزارة في دمشق للملك الأفضل ابن صلاح الدين ، كما تولى كتابة الإنشاء في الموصل لصاحبها محمود بن عز الدين بن مسعود ، وقد عرف ضياء الدين بقوة الحافظة ، والقدرة على الاستدعاء ، كما عرف بالتبريز في كتابة الرسائل وفن النقد والتأليف فيهما ، ومن أشهر تآليفه المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر وهو المشار إليه ، والمعاني المخترعة في صناعة الإنشاء ، والوشي المرقوم في حل المنظوم ، وغير ذلك ، وقد دامت حياته بني سنة ( 558 - 637 ه ) ، راجع ترجمته في : وفيات الأعيان 2 : 158 ، مفتاح السعادة 1 : 178 ، شذرات الذهب 5 : 127 ، الأعلام 8 : 354 . ( 1 ) أبو محمد القاسم بن علي بن محمد الحريري البصيري ، أحد أعلام فنون النشر والمقامات المبرزين ، وقد حاكى بمقاماته الشهيرة التي انتشرت في المشرق وفي الغرب الإسلامي ، أستاذه بديع الزمان الهمذاني ، وأربى عليه في الشهرة بها ، توفي بالبصرة في عام ( 510 ه ) وله ذكر واسع في كتب الأدب وتاريخه . ( 2 ) يقصد فن المقامات الذي ظهر في سياق النشر الفني منذ القرن الخامس أو قبله بقليل ، وبلغ ذروة شهرته على يد بديع الزمان الهمذاني وتلميذه أبي محمد الحريري ، ثم انتشر في المشرق والمغرب بمواصفاته الخاصة القائمة على البطل والرواية والتسجيع المصور الكدية والاحتيال على الناس بطريف القول الذي يخلب العقول . وقد كان للمقامات العربية أثر ظاهر على المقامات العبرية . راجع في ذلك : فن المقامات للدكتور يوسف عوض ، وفن المقامات في الأدب العربي للدكتور عبد الملك مرتاض ، أصول المقامات للدكتور إبراهيم السعافين ، المقامة النجدية محمد مسعود جبران . ( 3 ) العماد الأصبهاني : محمد بن محمد صفي الدين ابن نفيس ( 519 - 597 ه ) عالم بالأدب والنقد ، تنقل بين بغداد والشام ، ثم استوطن دمشق ، ولزوم مدرسته المعروفة بالعمادية ، وتوفي بها بعد أن ترك تراثا نفيسا في مقدمة كتابه خريدة القصر في عدد من المجلدات ، وكتاب الفتح القسي في الفتح القدسي ، وغير ذلك . راجع وفيات الأعيان 2 : 74 ، مفتاح السعادة 1 : 214 .