أبو سعد بن أبي علي كاتب بغدادي ( ابن الموصلايا )

383

رسائل أمين الدولة ابن الموصلايا

والكفاية المقترنة بالعفاف ، ورضيّ الخلال التي نفت عنه كلّ ما يتجنّب ويعاف ، دعت الحاجة إلى استدعائه ، وقادت الضرورة إلى اجتذابه واستدنائه ، هذا بعد أن بذلت الأموال السّنيّة من جهات لم تكن أهلا لما أطمعت نفوسها فيه ، ورامت منه الحلول في مرابع العزّ ومغانيه ، فرغب عنها وصدّ وزهد فيما كان من بذلها ( 149 أ ) وردّ ، واعتمد على من تقدّم من ذكرنا [ 1 ] لما تحقّق من صدق أمانته ، وخلوص عقيدته ، وسديد مذهبه ، وحميد طريقته ، ووافي نهضته ، وتضاعف حشمته ، وتحلّيه بكلّ ما ينبئ عن إيفائه على الأشكال ، ويدعو إلى استكفائه لمضلع [ 2 ] الأثقال ، ويعرب عن مشايعة تقوم بشروطها ، ومخالصة ينهض بلوازمها وفروضها ، وهو لعمر الله بمعزل عما وسم به وقرف ، وبنجوة [ 3 ] من كلّ ما شكّ معه في أمره واختلف ، ومن آكد الدلائل على مناصحته وأقواها ، وأكمل الشواهد على براءة ساحته عما ظنّ فيه وأوفاها ، تخلّصه مما همّ به من بشيراز [ 4 ] عند إزماعه البعد عنها ، واعتزامه التّوجّه منها من الاستظهار عليه وكفّه عما اعتمده من تلبية داعي الرّشاد عند نفوذ المرسوم إليه ، فإنّه لم يزل مجتهدا في الرفق والمداراة والمعالجة لهذا الخطب والمداواة إلى أن أمكنه الانفصال عن تلك البلاد على أقرب الأمور وأسهلها ، وألطف ( 149 ب ) الوجوه وأجملها ، وعهدته مع ذلك كلّه من حضرة أمير المؤمنين مضمونة ، ويكفي هذه الحال داعية إلى الاستنامة [ 5 ] عليه ، والثقة بنصحه ، وإزالة كلّ ما خامر سرّك ، واختلج بفكرك من الارتياب بأمره ، وكان وصول ما طالعت به من حضرة أمير المؤمنين في معناه قد ظلّ مجدّا في الإسراع ، وأطلّ على مدينة السلام متلقيا ما رسم له من الورود بالاحتذاء والاتّباع ،

--> ( 1 ) أورد العماد الأصفهاني والسبط : أن السلطان طغرلبك خاطب الخليفة بأنه كاره لتولية ابن دارست ، ولكن الخليفة رفض رأيه ، وعين ابن دارست وزيرا ، وتذكر المصادر أن سبب كراهية السلطان لتولية ابن دارست نابع من رغبة وزيره الكندري بتولي وزارة الخليفة . انظر : العماد الأصفهاني ، نصرة الفترة ، ق 19 أ ، سبط ابن الجوزي ، مرآة الزمان ( 440 - 490 ه ) ، ص 166 . ( 2 ) في الأصل : ذكرها والتصويب من الحاشية . ( 3 ) الإضلاع : الإمالة ، وحمل مضلع أي مثقل . انظر : الجوهري ، الصحاح ، ج 3 ، ص 1251 ، مادة ضلع . ( 4 ) النّجوة : المكان المرتفع الذي تظن أنه نجاؤك . انظر : الجوهري ، الصحاح ، ج 6 ، ص 2502 ، مادة