أبو سعد بن أبي علي كاتب بغدادي ( ابن الموصلايا )
352
رسائل أمين الدولة ابن الموصلايا
مقاصده بمشاورة من كملت أقسام السّداد فيه ، وكفلت شواهد مساعيه ، بكون التوفيق مقترنا بجميع مراميه ، فما زالت المشورة لقاحا للألباب ، ومفتاحا للدخول إلى الصواب من كلّ باب ، وقد أمر الله رسوله صلى اللّه عليه وسلم بها [ 1 ] ، وإن كان عنها غنيّا بما حازه من التأييد الإلهي وحواه ، ليقتدي به في اتباع هذا المثال غيره ، ويتأسّى به سواه ، قال الله تعالى : فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [ 2 ] . وأمره أن يفتح للمتظلمين بابه ، ويرفع عنهم حجابه ، ويمنحهم إرعاءه وإنجابه ، ويتأمّل حقائق أحوالهم فيما يلقونه إليه ويبدونه لديه ، فيساوي في الإنصاف بين الضّعيف منهم والقوي ، ويداوي داء كلّ منهم بما يبصر فيه الحقّ الواضح الجليّ ، جامعا بين إحسان السياسة فيهم والسيرة ، وحاسرا عن قناع ( 123 أ ) تيقّظ يجعل مطايا الطّامعين في مجاراة سبقه ظالعة دون [ إدراك ] [ 3 ] ذلك حسيرة ، فمن وجده من هذه الطائفة قد استمر عليه الظّلم من خصمه ، واعتدى جدبه في الزمان على خصبه ، استقصى النظر في معناه حتى ينتصف ممّن ظلمه ، ويرفع له الحقّ علمه ، ومن تألّم من اضطهاد عجز عن دفعه عنه وكفّه ، واستسلم فيه لجور الدّهر وصرفه ، استنفد الوسع في إعانته بما يفضي إلى جبر كسره ، ويقضي بإنقاذه من قبضة الأسى وأسره ، مستنجدا في ذاك بعون من الله تعالى ، يستنير به الرّشد من الغيّ ، ويستثير النّجح في النّشر منه والطّي ، واثقا بأنّ الله تعالى معه إذا تقمّص بالتّقوى واحتبى ، وأحسن إلى كلّ من لاذ به من الحيف واحتمى ، إذ كان تعالى قد قال : إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [ 4 ] . وأمره أن يستنيب في النّقابة على هذه الأسرة بالأعمال جميعها ، والبلاد - قريبها ( 123 ب ) وبعيدها - من قصر على طاعة الرّشاد زمانه ، وقصد الجمع بين وافي الكفاية والأمانة ، واعتمد في العفّة والظّلف ما يجاوز فيه أمثاله وأقرانه ،
--> ( 1 ) الزنيم : المستلحق في قوم ليس منهم . انظر : الجوهري ، الصحاح ، ج 5 ، ص 1945 ، مادة زنم . ( 2 ) الحوب : الإثم . انظر : الجوهري ، الصحاح ، ج 1 ، ص 116 ، مادة حوب . ( 3 ) سورة النساء : 123 . ( 4 ) سورة الأحزاب : 33 .