أبو سعد بن أبي علي كاتب بغدادي ( ابن الموصلايا )
345
رسائل أمين الدولة ابن الموصلايا
أحقّ بامتطاء صهوتها ، وارتقاء ذروتها ، جمعا بين التّقمص بجلباب الإرث الذي استحقّه ، وبين التّخصص بالأفعال الرشيدة التي أعذب الزمان نسمها وأرقه ، وأناله كلّ منحة هبّت ريحها لديه رخاء [ 1 ] ، ولبّت نداء رجائه فيما يبدّل بكلّ شدّة رخاء ، فيزداد تيقّظا لما يظهر له فيه أحسن صفة وسمة ، وتيقّنا لما تضحي نواجذ حظّه فيه عن الكمال مفترّة مبتسمة . والله تعالى يحسن الخيرة لأمير المؤمنين في كلّ ما يمضيه شرف عزائمه التي طال ما ظلّ السّعد لها قرينا ، ودلّ المجد على كون الدّهر لنفاذها ضمينا ، ويمدّ آراءه بتأييد يفوح نشر جلاله ويطيب ، ويلوح منه ما ( 115 ب ) تنقاد به الأقدار إلى المراد وتستجيب ، وما توفيق أمير المؤمنين إلّا بالله عليه يتوكل وإليه ينيب . أمره بتقوى الله سرّا وعلنا ، والتصرّف على حكمها قولا وعملا ، فهي المجنّ من وقع النوائب إذا ألمّت وعرت ، والموئل في دفع الخطوب إذا احتدمت نارها في الزّمان واستعرت ، والمعقل الذي يقي من الغير إذا شنّت على السكون الإغارة ، وحلّت ذرى الأمن وفلّت غراره ، وهي أنفع لما أعدّ ليوم المعاد من الزّاد ، وأسرع إلى ما يحظي من رضاء الله تعالى بما تغدو السعادة وارية الزّناد ، وبها تصرّف صروف الأيّام إذا فوّقت سهامها ، وطوّقت الأمور قلائد الفساد وفرّقت نظامها ، فالسعيد غدا بحبلها معتصما ، وبتاج الاهتداء إلى سبلها معتصبا ، لا أجلّ منها ذخرا ، ولا أدلّ بها على الزّلفى في الدار الأخرى ، وقد أمر الله تعالى المؤمنين بتوفيتها حقّها ، إبانة عن الالتجاء ( 116 أ ) منها إلى الحصن المنيع ، والارتجاء في مقابلتها من الله تعالى حسن الصنيع ، فقال سبحانه : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [ 2 ] . وقد وعد الله تعالى من يخلص فيها اعتقاده ، ومن ساقه الرّشد إلى المواظبة عليها وقاده بأن يخرجه إلى السعة من الضيق [ 3 ] وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ على التحقيق ، فقال : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً
--> الذهبي ، سير أعلام النبلاء ، ج 19 ، ص 39 . ( 1 ) كان للعباسيين نقابات في المدن التي يتواجدون فيها مثل مدينة البصرة وواسط والكوفة . انظر : ابن الجوزي ، المنتظم ، ج 17 ، ص 43 ، ابن الساعي ، الجامع المختصر ، ج 9 ، ص 61 ، ابن الفوطي ،