أبو سعد بن أبي علي كاتب بغدادي ( ابن الموصلايا )

209

رسائل أمين الدولة ابن الموصلايا

في القربة بالإتمام ، واتّصل إليه ذكر كلّ ما هو مكنوف بأقسام المراعاة والاهتمام . ومعلوم ترادف الاستصراخ بك والاستنجاد في فرض فلان الذي أعيا طبّ دائه ، وعاد الوهن على الدين والدّولة باعتدائه ، وارتكب من الخلاف مركبا ما ينزل عنه ولا ينحطّ ، ولا أقدم أحد على امتطاء ( 8 ب ) غارب الغي قط ، وكان وصله من التّبصير والتّنبيه والإرشاد إلى ما يحرفه عن مسالك الضّلال ويثنيه ، ما اعتقد أنّه يكفّه ويكفيه ، ويبدي له من الحق ما لم يستره عنه سوء التوفيق ويخفيه ، فلم يمض يومان على حضوره للاعتذار والاستغفار والتوصل إلى إزالة حكم التّجعّد من ذميم مقاصده والنّفار ، حتى أنفذ إلى طوائف من الأكراد أصحاب الأغنام قربوا من مدينة السلام [ 1 ] على رسم لهم في التجارة مستمرّ على الأيام ، واستباح وسبى ، ونهبهم نهبا غدوا به بعد انتظام الشّمل أيدي سبا [ 2 ] ، واستاق من أغنامهم زيادة على عشرين ألف راس ، وأحلّ بهم من البلاء غفلة ، ما لم يقدروا على احتراز منه واحتراس ، فصاروا حينئذ إلى الأبواب الإماميّة مستغيثين مستجيرين ، قد رفعوا المصاحف على القصب ، وتنادوا بالويل والحرب ، ومعهم من نسوانهم عدّة ، أنهي أنه قد وضعن ( 9 أ ) على فروجهنّ الشّوك والحشيش لخلوهنّ - بعد النّهب الذي أبدا فيه ظلمه وجوره - من كل ما يسدّ الخلّة [ 3 ] أو يستر العورة ، فكان ذلك منظرا مبكيا للعيون ، معرّيا للقلوب من ملابس السّكون ، فلما خوطب على هذا الصنيع الشنيع ، احتجّ بأعشار [ 4 ] له يستوفيها ، وأسباب قصد التّأوّل فيها ، فعاد القوم خائبين ، وانقطع عن البلد أمثالهم من الجلّابين ، وبقيت الهجنة بحالها ودواعي الضّلّة على استفحالها ، ثم شفع ذاك بكبس بيوت أرباب الأغنام [ 5 ] في البلد ،

--> ( 1 ) الأوضاح : الأضواء . انظر : الجوهري ، الصحاح ، ج 1 ، ص 416 ، مادة وضح . ( 2 ) يري : من قولهم ورى الزّناد إذا قدحه . انظر : الجوهري ، الصحاح ، ج 6 ، ص 2522 ، مادة ورى . ( 3 ) مدينة السلام : الاسم الرسمي لمدينة بغداد عاصمة الخلافة العباسية . انظر : ياقوت الحموي ، معجم البلدان ، ج 1 ، ص 541 . ( 4 ) إشارة إلى المثل العربي : تفرقوا أيدي سبأ . انظر : الميداني ، مجمع الأمثال ، ج 2 ، ص 4 . ( 5 ) الخلّة : الفقر والحاجة . انظر : الجوهري ، الصحاح ، ج 4 ، ص 1687 ، مادة خلل . ( 6 ) أعشار الأغنام : ضرائب تفرض على الأغنام المجلوبة إلى بغداد . انظر : الصابي ، المختار ، ص 343 ، 358 ، الدوري ، تاريخ العراق الاقتصادي ، ص 224 .