المقريزي
72
رسائل المقريزي
الطالبين ، وفي آذانهم رقاع فيها أنسابهم ، وفيهم أطفال ، فأمر المهدى فحفرت لهم حفرة ودفنوا فيها . فأين هذا الجور والفساد عن عدل الشريعة المحمدية وسيرة أئمة الهدى ، وأين هذه القسوة الشنيعة مع القرابة القريبة من رحمة النبوة ، وتالله ما هذا من الدين في شيء ، بل هو من باب قول الله سبحانه : فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ . أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ « 1 » . وكان أبو الجهم بن عطية مولى باهلة من أعظم الدعاة قدرا وأعظمهم غنى ، وهو الذي أخرج أبا العباس السفاح من موضعه الذي أخفاه فيه أبو سلمة حفص بن سليمان الخلال « 2 » وحرسه ، وقام بأمره حتى بويع بالخلافة ، فكان أبو العباس يعرف له ذلك ، وكان أبو مسلم يثق به ويكاتبه ، فلما استخلف أبو جعفر المنصور وجار في أحكامه ، قال أبو الجهم : ما على هذا بايعناه ، إنما بايعناهم على العدل ، فأسرها أبو جعفر في نفسه ودعاه ذات يوم فجلس عنده ثم سقاه شربة من سويق « 3 » لوز وقعت في جوفه هاج به وجع ، فتوهم أنه قد سم ، فوثب ، فقال له المنصور : إلى أين يا أبا الجهم ، قال : إلى حيث أرسلتني . ومات بعد يوم أو يومين فقال ( شعرا ) : أحذر سويق اللوز لا تشربنه * فشرب سويق اللوز أردى أبا الجهم وأما غدره بأبى مسلم فغير خاف على رواة الأخبار ، وكان أشد ما يحقده عليه كتابه إليه : أما بعد ، فإني اتخذت أخاك إماما وكان في قرابته برسول الله صلى اللّه عليه وسلّم ، ومحله من العلم على ما كان ثم استخف بالقرآن وحرّفه طمعا في قليل من الدنيا ، قد نعاه الله لأهله ، ومثلت له ضلالته على صورة العدل فأمرني أن أجرد السيف
--> ( 1 ) سورة محمد : 22 ، 23 . ( 2 ) أبو سلمة حفص بن سليمان الخلال هو أول من وزر لآل العباس ، قتله أبو مسلم الخراساني بالأنبار عن أمر السفاح ، بعد ولايته بأربعة أشهر في شهر رجب . وكان ذا هيئة فاضلا حسن المفاكهة ، وكان السفاح يأنس به ويحب مسامرته ، ولكنه توهم ميله لآل على فدس أبو مسلم عليه من قتله غدرا . البداية والنهاية ( 10 / 58 ) . ( 3 ) السويق : طعام يتخذ من مدقوق الحنطة والشعير ، أو غير ذلك مما يخلط . انظر القاموس ( 2 / 650 ) ، المعجم الوجيز ( ص 330 ) .