المقريزي
40
رسائل المقريزي
فقال رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم : أنا وهم لم نزل في الجاهلية شيئا واحدا وكانوا معنا في الشّعب . كذا وشبّك أصابعه « 1 » . وكان من حديث الشّعب على ما ذكر محمد بن إسحاق « 2 » وموسى بن عقبة « 3 » فذكر ابن إسحاق أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم لما قضى على الذي بعث به وقامت بنو هاشم وبنو المطلب دونه وأبوا أن يسلموه ، فهم من خلافه على مثل ما قومهم عليه ، إلا أنهم اتقوا أن يشتدوا ويسلموا أخاهم لمن فارقه من قومه فلما فعل ذلك بنو هاشم وبنو المطلب ، وعرفت قريش أن لا سبيل إلى محمد صلى اللّه عليه وسلّم معهم ، أجمعوا على أن يكتبوا فيما بينهم على بني هاشم وبني المطلب أن لا ينكحوهم ولا ينكحوا إليهم ، ولا يبايعوهم ولا يبتاعوا منهم ، وكتبوا صحيفة في ذلك وعلقوها بالكعبة ثم عدوا على من أسلم فأوثقوهم وآذوهم واشتد البلاء عليهم ، وعظمت الفتنة وزلزلوا زلزالا شديدا . قال ابن عقبة : واجتمعت قريش ومكرها أن يقتلوا رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم علانية ، فلما رأى أبو طالب عمل القوم جمع بنى عبد المطلب وأمرهم أن يدخلوا رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم شعبهم ويمنعوه ممن أراد قتله ، واجتمعوا على ذلك مسلمهم وكافرهم ، فمنهم من فعله حمية ، ومنهم من فعله إيمانا ويقينا ، فلما عرفت قريش أن القوم منعوا رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم اجتمع المشركون مع قريش ، واجتمع رأيهم أن لا يجالسوهم ولا يبايعوهم ولا يدخلوا بيوتهم حتى يسلموا رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم للقتل ، وكتبوا في مكرهم صحيفة وعهودا ومواثيق لا يقبلون من بني هاشم أبدا صلحا ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموه للقتل ، فلبث بنو هاشم في شعبهم ثلاث سنين واشتد عليهم البلاء والجهد وقطعوا عنهم الأسواق فلا يتركون طعاما يقدم مكة إلا بادروهم إليه فاشتروه يريدون بذلك أن يدركوا سفك دم رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم . وذكر ابن إسحاق القصة في دخولهم الشعب وما بلغوا من الجهد الشديد حتى كان يسمع أصوات صبيانهم يتضاغون من وراء الشعب من الجوع ، حتى كره عامة قريش ما أصابهم وأظهروا كراهتهم لصحيفتهم المظلّة .
--> ( 1 ) الحديث في سنن أبي داود ك : الخراج ب / 20 رقم ( 2980 ) بهذا اللفظ . ( 2 ) محمد بن إسحاق بن يسار القرشي المدني ، إمام أهل المغازي ، قال الشافعي : من أراد أن يتبحر في المغازي فهو عيال على محمد بن إسحاق توفى سنة 152 ه ( التهذيب 9 / 38 ) ، التقريب ( 2 / 114 ) . ( 3 ) موسى بن عقبة بن أبي عياش الأسدي المدني ، قال ابن سعد : كان ثقة ثبتا كثير الحديث ، توفى سنة 141 ه ( التهذيب 10 / 360 ) ، التقريب ( 2 / 286 ) ، الكاشف ( 3 / 165 ) للذهبي .