المقريزي

41

رسائل المقريزي

قال موسى بن عقبة : فلما كان بعد ثلاث سنين تلاوم رجال من بنى عبد مناف ، ومن بنى قصى ورجال سواهم من قريش قد ولدتهم نساء من هاشم ورأوا أنهم قد قطعوا الرحم واستحقوا بالحق واجتمع أمرهم من ليلتهم على نقض ما تعاهدوا عليه من العذر والبراءة منه ، وبعث الله عز وجل على صحيفتهم التي المكر فيها برسول الله صلى اللّه عليه وسلّم الأرضة « 1 » فلحست كل ما كان فيها من عهد وميثاق فلم تترك اسما لله عز وجل إلا لحسته وبقي ما كان فيها من شرك أو ظلم أو قطيعة رحم ، وأطلع الله عز وجل رسوله صلى اللّه عليه وسلّم على الذي صنع بصحيفتهم فذكر ذلك رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم لأبى طالب ، فقال أبو طالب : لا والثواقب ما كذبني ، وانطلق يمشى بعصابة من بني المطلب حتى أتى المسجد وهو حافل « 2 » من قريش ، فلما رأوهم عامدين جماعتهم ليعطوهم رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم فتكلم أبو طالب فقال : قد حدثت أمور بينكم لم نذكرها لكم فأتوا بصحيفتكم التي تعاهدتم عليها فلعله أن يكون بيننا وبينكم صلح ، وإنما قال ذلك خشية أن ينظروا في الصحيفة قبل أن يأتوا بها ، فأتوا بصحيفتهم معجبين بها ، لا يشكون أن الرسول مدفوع إليهم فوضوعوها بينهم وقالوا : قد آن لكم أن تقبلوا وترجعوا إلى أمر يجمع قومكم فإنما قطعه بيننا وبينكم رجل واحد جعلتموه حظرا لهلكة قومكم وعشيرتكم . فقال أبو طالب : ما أتيتكم لأعطيكم أمرا لكم فيه نصف ، إن ابن أخي قد أخبرني ولم يكذبني أن الله عز وجل بريء من هذه الصحيفة التي في أيديكم ، ومحا كل اسم له فيها ، وترك فيها عدوكم وقطيعتكم إيانا ، وتظاهركم علينا بالظلم ، فإن كان الحديث الذي قال ابن أخي كما قال فأفيقوا ، فوالله لا نسلّمه أبدا حتى نموت من عند آخرنا ، وإن كان ما قال باطلا دفعناه إليكم فقتلتم أو استحييتم ، قالوا : رضينا بالذي تقول ، ففتحوا الصحيفة فوجدوا الصادق الصدوق قد أخبر خبرها ، فلما رأتها قريش كالذي قال أبو طالب قالوا : والله إن كان هذا قط إلا سحر من صاحبكم ، فارتكسوا « 3 » وعادوا أشرّ مما كانوا عليه من كفرهم والشدة

--> ( 1 ) الأرضة : دويبة صغيرة كنصف العدسة تأكل الخشب ، وهي دابة الأرض التي ذكرها الله في كتابه . قاله الدميري في حياة الحيوان ( 1 / 47 ) . ( 2 ) مملو بالناس من قريش . ( 3 ) ارتكسوا : رجعوا عن رأيهم وانقلبوا عنه ، والرّكس : رد الشئ مقلوبا ( مختار الصحاح : 131 ) .