المقريزي
318
رسائل المقريزي
الاحتواء من المستدير ، ثم تتراص الجملة منه بحيث لا يبقى بعد اجتماعها فرجة إلا المسدس ، وهذه خاصية هذا الشكل . فانظر كيف ألهم الله تعالى هذا النّحل - على صغر جرمه - اتّخاذ هذه الأشكال المتساوية الأضلاع بحيث لا يزيد ضلع عن ضلع ولا ينقص ؛ لطفا به ، وعناية بوجود ما هو محتاج إليه ليتهنّى عيشه ، فسبحانه ما أعظم شأنه ، وأوسع فضله وامتنانه ! . وقال بعض الحكماء : « وبيوت النحل من أعجب الأشياء ؛ لأنها مبنية على الشّكل الذي لا ينحرف ، كأنه استنبط بقياس هندسي ، ثم هو من دائرة مسدسة لا يوجد فيها اختلاف ، فبذلك اتّصلت حتى صارت كالقطعة الواحدة ؛ وذلك أن الأشكال من الثلاثة إلى العشرة إذا جمع كلّ واحد منها إلى أمثاله لم يتصل ، وجاءت بينها فروج إلا الشكل المسدس ، فإنه إذا اجتمع إلى أمثاله اتّصل كأنّه قطعة واحدة ، كلّ هذا بغير قياس ولا آلة ، ولا بركاز ، بل ذلك من أثر صنع اللطيف الخبير ، وإلهامه إيّاها » . وقال آخر : « جمع الله تعالى في النّحلة السمّ والعسل ، ليكون دليلا على كمال قدرته ، وأخرج منها العسل ، ممزوجا بالشّمع ، وكذلك عمل المؤمن ممزوج بالخوف والرجاء » . وفي « تاريخ أصبهان » « 1 » في ترجمة أحمد بن الحسن ، عن عمر يرفعه : « أول نعمة تقع في الأرض العسل » « 2 » . ويقال في المثل : « أنحل من نحلة ، وأهدى من نحلة » ويقال : « كلام كالعسل ، وفعل كالأسل » .
--> ( 1 ) لأبى نعيم الأصبهاني ، وهو مطبوع في مطبعة ليدن . ( 2 ) الحديث مروى بلفظ « أول نعمة ترفع عن الأرض العسل » رواه ابن حبان في « المجروحين » ( 2 / 108 ) ، وابن الجوزي في « الموضوعات » ( 3 / 20 ) ، وابن عدي في « الكامل » ( 5 / 209 ) من حديث ابن عمر مرفوعا ، وفيه علي بن عروة وهو متروك كما في الميزان ( 3 / 145 ) ، والتهذيب ( 7 / 319 ) ولذا حكم ابن الجوزي على الحديث بالوضع ، وانظر اللآلئ ( 2 / 239 ) للسيوطي فقد أقره ، وانظر كذلك تنزيه الشريعة ( 2 / 239 ) الفوائد المجموعة ( 179 ) للشوكاني .