المقريزي

271

رسائل المقريزي

من تصاعد الأبخرة في أيام الشتاء من الجبال وقفر « 1 » الأرض ، فنقول وقد نشأ السحاب من هذين أيضا فما دام الأمر كذلك ، فإن البخار الناشئ من الأرض إنما يسير بالنسيم إلى بخار البخار وهما يتحدان عند تصاعدهما فيكون منهما السحاب ، ولست الآن بصدد الكلام على هذا فله مكان هو أليق به من هنا . وقوله : « فتقرب به الملوك للخالق » : تنويه بهذا المعمّى ، حيث نصّ على الملوك ، فإنهم أعلى طبقات البشر ولأمر ما يسود من يسود ، فما من ملك من الملوك إلا وهو إذا أراد الصلاة التي هي أشرف ما تقرب بها العباد إلى ربهم عز وجل ، فإنه يرفع أحداثهم بالماء . وقوله : « ويوحدوه بقول صادق » . أي : يفردوه فلا يتقربون في تطهيرهم بغيره ، ولا يرد على هذا التيمم بالصعيد من التراب وغيره ، فإنه بدل لا يصار إليه إلا عند فقد الماء صورة أو معنى . قوله : « النصارى تتقرب به واليهود » . قول ظاهر ما أحد منهم إلا وهو يتقرب بالماء في إزالة أحداثه . ولا يردّ على هذا كون النصارى الآن لا تغتسل من جنابة ، ولا تتوضأ ، بل ولا توجب إزالة شيء من النجاسات العينية بالماء ، فإن هذا من بدع ضلالتهم التي ابتدعوها ، وليس مما جاء به المسيح عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام ، كما ابتدعوا الصوم ، وأحدثوا فيه أسبوعا من الأسبوع يلزم اليعاقبة دون المليكة افتراء على الله ، وكما ابتدعوا الرهبانية ، وكما ابتدعوا ومنعوا من أكل اللحوم في أيام الصوم ، وكما ابتدعوا من بدعهم التي اتبعتها « 2 » في حواشي الإنجيل عندما طالعته قديما . وقوله : « والكتب المنزلة بذلك شهود » كلام صحيح ، ففي القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والزبور وسائر كتب الأنبياء التي توجد اليوم بأيدي اليهود والنصارى وهي نيف على خمسين كتابا ، في عدة مواضع شاهدة أن الماء يتقرب به ، ولولا خوف الإطالة لسردت منها كثيرا ، فقبح الله النصارى وجعل عليهم ما يخرج من أسافلهم حيث استدلوا على ترك إزالة النجاسات العينية بقوله في الإنجيل : « ليس

--> ( 1 ) القفر والقفرة : الخلاء من الأرض كالمقفار . القاموس ( 3 / 664 ) . ( 2 ) في الأصل : ابتدعتها ، والصواب ما أثبتناه ، وحواشي الإنجيل من كتب - المصنف - كما سيأتي .