المقريزي
166
رسائل المقريزي
واستمر الأمر كما ذكر إلى شهر رمضان سنة أربع وثمانين ومائة ، فصار النقص أربعة قراريط وحبة ونصف حبة ، وصارت لا تجوز إلا في المجموعة أو بما فيها ثم بطلت ، فلما قتل هارون الرشيد جعفرا ، صير السكك إلى السندي ، فضرب الدراهم على مقدار الدنانير ، وكان سبيل الدنانير في جميع ما تقدم ذكره سبيل الدراهم ، وكان خلاص السندي جيدا أشد الناس خلاصا للذهب والفضة . فلما كان شهر رجب سنة 192 نقصت الدراهم الهاشمية نصف حبة ، وما زال الأمر في ذلك كله عصرا يجوز جواز المثاقيل ثم ردت إلى وزنها ، حتى كان أيام الأمين محمد بن هارون الرشيد ، فصيّر دور الضرب إلى العباس بن الفضيل بن الربيع ، فنقش في السّكة بأعلى السطر : « ربى الله » ومن أسفلها « العباس بن الفضل » . فلما عهد الأمين إلى ابنه موسى ولقبه : ( الناطق بالحق المظفر بالله ) ضرب الدنانير والدراهم باسمه ، وجعل زنة كل واحد عشرة ونقش عليه : كل عز ومفخر * فلموسى المظفّر ملك خص ذكره * في الكتاب المسطّر فلما قتل الأمين واجتمع الأمر لعبد الله المأمون ، لم يجد أحدا ينقش الدراهم فنقشت بالمخراط « 1 » كما تنقش الخواتم ، وما برحت النقود على ما ذكر ، أيام المأمون والمعتصم والواثق والمتوكل ، فلما قتل المتوكل وتغلبت الموالى من الأتراك وتناثر سلك الخلافة وبقيت الدولة العباسية في الترف ، وقوى عامل كل جهة على ما يليه ، وكثرت النفقات وقلت المجابى « 2 » بتغلّب الولاة على الأطراف ، وحدثت بدع كثيرة من حينئذ ، ومن جملتها غش الدراهم . ويقال : إن أول من غش الدراهم وضربها زيوفا « 3 » : عبيد الله بن زياد حين فرّ من البصرة في سنة أربع وستين من الهجرة ثم فشت في الأمصار « 4 » أيام دولة
--> ( 1 ) آلة تسوّى بها الخواتم . ( 2 ) جمع جباية وهي الخراج والمال . ( 3 ) زافت النقود زيفا : ظهر فيها غش ورداءة ويقال : درهم زيف أي زائف . الوجيز ( 298 ) . ( 4 ) المصر : المدينة الكبيرة تقام فيها الدور والأسواق والمدارس وغيرها من المرافق العامة ( ج ) أمصار مصدر سابق ( 584 ) .