المقريزي

102

رسائل المقريزي

وضعفهم وقصور علمهم عن إدراك حوائج المضطرين . فأما من لا يشغله سمع عن سمع ، وسبقت رحمته غضبه وكتب على نفسه الرحمة ، فما تصنع الوسائط عنده . فمن اتخذ واسطة بينه وبين الله تعالى ، فقد ظن به أقبح الظن ، ومستحيل أن يشرعه لعباده ، بل ذلك يمتنع في العقول والفطر . واعلم أن الخضوع والتأله الذي يجعله العبد لتلك الوسائط قبيح في نفسه كما قررناه ، لا سيما إذا كان المجعول له ذلك عبدا للملك العظيم الرحيم القريب المجيب ، ومملوكا له ، كما قال تعالى : ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ « 1 » أي إذا كان أحدكم يأنف أن يكون مملوكه شريكه في رزقه ، فكيف تجعلون لي من عبيدي شركاء فيما أنا منفرد به ، وهو الإلهية التي لا تنبغى لغيرى ولا تصلح لسواى ، فمن زعم ذلك فما قدرنى حق قدرى ولا عظمنى حق تعظيمى . وبالجملة فما قدر الله حق قدره من عبد معه من ظنّ أنه يوصل إليه ، قال تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً « 2 » إلى أن قال : ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ « 3 » وقال تعالى : وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ « 4 » فما قدّر القوىّ العزيز حق قدره من أشرك معه الضعيف الذليل . أصل ضلال أهل البدع والزيغ : واعلم أنك إذا تأملت جميع طوائف الضلال والبدع وجدت أصل ضلالهم راجعا إلى شيئين . أحدهما : الظن بالله ظن السوء . والثاني : أنهم لم يقدروا الرب حق قدره . فلم يقدره حق قدره من ظن أنه لم يرسل رسولا ولا أنزل كتابا ، بل ترك الخلق سدى وخلقهم عبثا « 5 » . ولا قدره

--> ( 1 ) الروم : 28 . ( 2 ) الحج : 73 . ( 3 ) الحج : 74 . ( 4 ) الزمر : 67 . ( 5 ) يقصد بكلامه هذا الملاحدة وأتباعهم الذين ينكرون الرسل والكتب ويعتقدون أن اللّه - تعالى - اكتفى بخلق الخلق ، وسيعرفه من جاد عقله ، وينكره من أظلمت بصيرته ، ولم يرتب الله تعالى ذلك ثوابا ولا عقابا .