الجاحظ
80
رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية )
وقالوا : « لا تخرج الأمر كلّه من يدك وخذ بأحد جانبيه » . ثم الشجاعة والجبن في ذلك بقدر الحالات والأوقات . [ 11 - معاملة العدو ] واعلم أنّ أصل ما أنت مستظهر به على عدوّك ثلاث خلال : أشرفها : أن تأخذ عليه بالفضل وتبتدئه بالحسنى ، فتكون عليه رحمة ولنفسك ناظرا ؛ فإنّ كثرة الأعداء تنغيص للسّرور ، وقد قال اللّه تبارك وتعالى : ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ . فإن كان عدوّك مما لا يصلح على ذلك فحصّن عنه أسرارك ، وعمّ عليه آثار تدبيرك ، ولا يطّلعنّ على شيء من مكايدتك له بقول ولا فعل ، فيأخذ حذره ، ويعرف مواضع عوارك ، فإنّ تحصين الأسرار أخذ بأزمّة التدبير ، والإكثار من الوعيد للأعداء فشل . ولكن داج عدوّك ما داجاك ، وأحص معايبه ما لا حاك . وقال الشاعر : كلّ يداجي على البغضاء صاحبه * زكنت منهم على مثل الذي زكنوا واعلم أنّ أعظم أعوانك عليه الحجج [ ثم الفرصة ] ، ثم لا تظهرن عليه حجّة ، ولا تهتبل منه غرّة ، ولا تطلبنّ له عثرة ، ولا تهتكنّ له سترا [ إلّا ] عند الفرصة في ذلك كلّه ، وفي المواضع التي يجب لك فيها العذر ويعظم فيها ضرره ، إن كان العفو عنه شرّا له . وإن كان ممن يظهر لك العداوة ويكشف لك قناع المحاربة ، وكان ممن أعياك استصلاحه بالحلم والأناة ، فلتكن في أمره بين حالين : استبطان الحذر منه ، والاستعداد له وإظهار الاستهانة [ به ] . ولست مستظهرا عليه نفسك من الأدناس ، وبراءتك من المعايب .