الجاحظ

81

رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية )

فلتكن هذه سيرتك في أعدائك . واعلم أنّ إشاعة الأسرار فساد في كلّ وجه من الوجوه ، من العدوّ والصديق . وقد روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « استعينوا على الحوائج بسترها ؛ فإنّ كلّ ذي نعمة محسود » . وإذا أفشيت سرّك فجاءت الأمور على غير ما تقدّر كان ذلك منك فضلا من قولك على فعلك . وقد قيل في الأمثال : « من أفشى سرّه كثر المتآمرون عليه » . فلا تضع سرّك إلّا عند من يضرّه نشره كما يضرّك ، وينفعه ستره بحسب ما ينفعك . [ 12 - أجناس الناس ] واعلم أنّك ستصحب من الناس أجناسا متفرّقة حالاتهم ، متفاوتة منازلهم ، وكلّهم بك إليه حاجة ، وكلّ طائفة تسدّ عنك كثيرا من المنافع لا يقوم به من فوقها ، ولعلّهم مجتمعون على نصيحتك والشّفقة عليك . فمنهم من تريد منه الرأي والمشورة ، [ ومنهم من تريده للحفظ والأمانة ] ، ومنهم من تريده للشّدّة والغلظة ، ومنهم من تريده للمهنة . وكلّ يسدّ مسدّه على حياله . وقد قيل في الحكمة : « إنّ الخلال تنفع حيث لا ينفع السّيف » . ولا تخلينّ أحدا منهم - عظم قدره أو صغرت منزلته - من عنايتك وتعهّدك بالجزاء على الحسنة ، والمعاتبة عند العثرة ؛ ليعلموا أنّهم منك بمرأى ومسمع . ثمّ لا تجوزنّ بأحد منهم حدّه ، ولا تدخله فيما لا يصلح له ، تستقم لك حاله ، ويتّسق لك أمره . واعلم أنّه سيمرّ بك في معاملات الناس حالات تحتاج فيها إلى مداراة أصناف الناس وطبقاتهم ، يبلغ بك غاية الفضيلة فيها ، وكمال العقل والأدب منها ، أن تسالم أهلها وتملك نفسك عن هواها ، وتكفّ من جماحها ، بالأمر