الجاحظ
77
رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية )
التي على أثرها السّلامة ، وألقح في البديّ الأمور التي نتاجها العافية . فمن الأمور التي يوجب بعضها بعضا : المنفعة توجب المحبّة ، والمضرة توجب البغضاء ، والمضادّة توجب العداوة ، وخلاف الهوى يوجب الاستثقال ، ومتابعته توجب الألفة ، والصّدق يوجب الثّقة ، والكذب يورث التّهمة ، والأمانة توجب الطّمأنينة ، والعدل يوجب اجتماع القلوب ، والجور يوجب الفرقة ، وحسن الخلق يوجب المودّة ، وسوء الخلق يوجب المباعدة ، والانبساط يوجب المؤانسة ، والانقباض يوجب الوحشة ، والتكبّر يوجب المقت ، والتواضع يوجب المقة ، والجود بالقصد يوجب الحمد ، والبخل يوجب المذمّة ، والتواني يوجب التّضييع ، والجدّ يوجب رخاء الأعمال ، والهوينا تورث الحسرة ، والحزم يورث السّرور ، والتّغرير يوجب النّدامة ، والحذر يوجب العذر ، [ وإصابة التدبير توجب بقاء النعمة ] والاستهانة توجب التّباغي ، والتّباغي مقدّمة الشّرّ وسبب البوار . ولكلّ شيء من هذا إفراط وتقصير ، وإنّما تصحّ نتائجها إذا أقيمت على حدودها ، وبقدر ما يدخل من الخلل فيها يدخل فيما يتولّد منها ، لا بدّ منه ولا مزحل عنه ، عليه عادة الخلق ، وبه جرت طباعهم ، وتمام المنفعة بها إصابة مواضعها : فالإفراط في الجود يوجب التّبذير ، والإفراط في التواضع يوجب المذلّة ، والإفراط في الكبر يدعو إلى مقت الخاصّة ، والإفراط في المؤانسة يدعو خلطاء السّوء ، والإفراط في الانقباض يوحش ذا النّصيحة . وآفة الأمانة ائتمان الخانة ، وآفة الصّدق تصديق الكذبة ، والإفراط في الحذر يدعو إلى ألّا يوثق بأحد ، وذاك ما لا سبيل إليه . [ والإفراط في المضرّة مبعثة على حربك ] ، والإفراط في جرّ المنفعة غناء لمن أفرطت في نفعه عنك . واحذر كل الحذر أن يختدعك الشيطان عن الحزم فيمثّل لك التّواني في صورة التوكّل ، ويسلبك الحذر ، ويورثك الهوينا بإحالتك على الأقدار ، فإنّ اللّه