الجاحظ

76

رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية )

فإن ابتليت في بعض الأوقات بمن يضرب بحرمة ويمتّ بدالّة ، يطلب المكافأة بأكثر ممّا يستوجب ، فدعاك الكرم والحيا إلى تفضيله على من [ هو ] أحقّ منه ، إمّا تخوّفا من لسانه ، أو مداراة لغيره ، فلا تدع الاعتذار إلى من فوقه من أهل البلاء والنّصيحة وإظهار ما أردت من ذلك لهم ، فإنّ أهل خاصّتك والمؤمنين على أسرارك ، هم شركاؤك في العيش ، فلا تستهيننّ بشيء من أمورهم ، فإنّ الرّجل قد يترك الشئ من ذلك اتّكالا على حسن رأي أخيه ، فلا يزال ذلك يجرح في القلب وينموه حتّى يولّد ضغنا ويحول عداوة . فتحفّظ من هذا الباب ، واحمل إخوانك عليه بجهدك . وستجد في من يتّصل بك من يغلبه إفراط الحرص وحميّا الشّره ، ولين جانبك له ، على أن ينقم العافية ، ويطلب اللّحوق بمنازل من ليس هو مثله ، ولا له مثل دالّته ، فتلقاه لما تصنع به مستقلّا ، ولمعروفك مستصغرا . وصلاح من كانت هذه حاله بخلاف ما فسد عليه أمره . فاعرف طرائقهم وشيمهم ، وداو كلّ من لا بدّ لك من معاشرته بالدواء الذي هو أنجع فيه ، إن لينا فلينا ، وإن شدّة فشدّة ، فقد قيل في المثل : من لا يؤدّبه الجميل ففي عقوبته صلاحه وقد قال بعض الحكماء : « ليس بحكيم من لم يعاشر من لا يجد من معاشرته بدّا ، بالعدل والنّصفة ، حتّى يجعل اللّه له من أمره فرجا ومخرجا » . [ 7 - لائحة الأسباب والعواقب ] فاحفظ هذه الأبواب التي يوجب بعضها بعضا ، وقد ضمنت لك أوائلها كون أواخرها . فاعرفها واقتبسها ، واعلم أنّه متى كان الأوّل منها وجب ما بعده لا بدّ منه . فاحذر المقدّمات اللاتي يعقبها المكروه ، واحرص على توطيد الأمور