الجاحظ

75

رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية )

واعلم أنّ أثرتك على غير النصيحة والشّفقة ، والحرمة والكفاية ، يوجب [ لك ] المباعدة وقلّة الثقة ممن آثرته أو آثرت عليه . فاعرف لأهل البلاء - ممّن جرت بينك وبينه مودّة أو حرمه ، ممن فوقك أو دونك أو نظرائك - أقدارهم ومنازلهم . ثمّ لتكن أمورك معهم على قدر البلاء والاستحقاق ، ولا تؤثر في ذلك أحدا لهوى ، فإنّ الأثرة على الهوى توجب السّخطة ، وتوجب استصغار عظيم النّعمة ، ويمحق بها الإفضال ، وتفسد عليها الطائفتان : من آثرت ومن آثرت عليه . أما من آثرت فإنّه يعلم أنّك لم تؤثره باستحاق بل لهوى ، فهو مترقّب أن ينتقل هواك إلى غيره ، فتحول أثرتك حيث مال هواك . فهو مدخول القلب في مودّتك ، غير آمن لتغيّرك . وأمّا من آثرت عليه بعد الاستحقاق منه فقد جعلت له السبيل إلى الطّعن عليك ، وأعطيته الحجّة على نفسك . فكلّ من يعمل على غير ثقة عاد ما أراد به النّفع ضررا والإصلاح [ فيه ] فسادا . وربّما آثر الرجل المرء من إخوانه بالعطية السنيّة على بلاء أبلاه ، فيعظم قدرها عنده حتّى لعلّه تطيب نفسه ببذل ماله ودمه دونه . فإن أعطى من أبى كبلائه وكانت له مثل دالّته ، أكثر ممّا أعطاه ، انتقل كلّ محمود من ذلك مذموما ، وكل مستحسن مستقبحا . وكذلك الأمر في العقوبة ، يجريان مجرى واحدا . فاجعل العدل والنّصفة في الثّواب والعقاب حاكما بينك وبين إخوانك ، فمن قدّمت منهم فقدّمه على الاستحقاق ، وبصحة النّيّة في مودته ، وخلوص نصيحته لك ممّا قد بلوت من أخلاقه وشيمه ، وعلمت بتجربتك له ، أنّه يعلم أنّ صلاحه موصول بصلاحك ، وعطبه كائن مع عطبك ، ففوّض الأمر إليه ، وأشركه في خواصّ أمورك وخفيّ أسرارك ، ثمّ أعرف قدره في مجلسك ومحاورتك ومعاملتك ، في كلّ حالاتك ومزاولاتك في خلواتك معه ، وبحضرة جلسائك ، فإنّ ذلك زيادة في نيته ، وداعية لمن دونه إلى التقرب إليك بمثل نصيحته .