الجاحظ

33

رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية )

عليا لم يجمع بقية الشورى ليختاروه ، ساقطة أيضا ، لأن تلك الشورى ارتآها عمر وليس علي ملزما بالعمل بها . واما حجة السفيانية بان حق علي بالخلافة قد سقط لاشتراكه بدم عثمان فتجن مطلق ، لأن عليا لم يشترك بدم عثمان ولم يحرض على قتله ولم يعن عليه . بقي الاعتراف بحق علي بالخلافة للقدم في الاسلام والفضائل التي انماز بها من زهد وفقه وشجاعة وتضحية في سبيل الدين أضف إلى ذلك الرواية والقرابة . وإذا كان السفيانية قد ضلوا السبيل في موقعهم من علي ومناصبتهم إياه ، فان الشيعة والخوارج قد غفلوا بدورهم عن تدبيره . فالشيعة أخطئوا في تأويلهم لتدبيره في قضية الحكمين وحرب صفين كما مر معنا ، والخوارج جهلوا تدبيره أيضا مرتين الأولى عندما دعاهم إلى مواصلة القتال إثر رفع المصاحف فاحجموا وقالوا لنحكم كتاب اللّه بيننا ، والثانية عندما دعوه بعد التحكيم إلى استئناف القتال فرفض لتشتت جيشه ، فكفروه وحاربوه . اما موقف الجاحظ الخاص فقد حدده بقوله انه ينطلق من مبدأ المعتزلة في المنزلة بين المنزلتين ، اي التوسط في الاحكام بين الافراط والتفريط ، وبين الايمان والكفر في حق مرتكب الكبيرة . فالمعتزلة لا يغلون كالخوارج فيكفرون عليا ، ولا يقصرون كالمرجئة فيعلقون الحكم ويتركون الامر للّه . وانما يقتصدون ويتوسطون « وهذا الاشتقاق ، وهو التوسط والاقتصاد هو الاعتزال لغو من غلا وتقصير من قصر ؛ والأصل الذي نبني عليه أمورنا فيمن ليس عندنا كعلي وسابقته وأرومته وكامل خصاله بل في أدنى رجل من أوليائنا ، انا متى وجدنا له عملا يحتمل الخطأ والصواب لم يكن لنا ان نجعل عمله خطأ حتى يعيينا فيه وجه الصواب ، وليس لنا بعد ان قضينا بأنه خطأ ان نقضي بأنه خطيئة حتى يعيينا القدر بأنه سليم من طريق المآثم ، فان قضينا بأنه اثم فليس لنا ان نقضي بأنه ضلال ونحن نجد لصرف الدفع عنه انه ضلال إلى الاثم متحملا ، وان قضينا بأنه ضلال فليس لنا