الجاحظ
34
رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية )
ان نقضي بأنه كفر الا بعد ان نجد من ذلك بدا فيكون الحق أحق ما قضي به وصبر عليه . فمن كانت - حفظك اللّه - هذه سيرته وطريقته في أدنى أوليائه ، فكيف تظنه في ارفع أوليائه ؟ فهذا ما لا يحل لي ان أظنه بعلي بن أبي طالب ، فإن كان عندك برهان واضح ودليل بين يكشف لنا عن الحال حتى يتبين به انه كان سببا في إراقة دمه ، فعلينا السمع واليقين والاقرار ، وعليك البيان والافهام بالدليل والحرص » . لقد أوضح الجاحظ في هذا المقطع طريقة المعتزلة في الحكم على الناس بمن فيهم علي . وهي طريقة تتسم بالاعتدال وتتجنب الغلو والتقصير ، وتضع درجات في سلم الأعمال تتوسط بين الكفر والايمان وهذه الدرجات هي الصواب والخطأ والخطيئة والاثم والضلال . ثم تلتزم بعدم اصدار الحكم الا بعد توافر الأدلة التي تفضي إلى اليقين . وبناء على هذه القاعدة لا يجد الجاحظ دليلا كافيا يتبين منه ان عليا كان سببا في إراقة دم عثمان ، فيصدر عليه حكما بالكفر . اما معاوية فلا يستحق الإمامة لعدم توافر أسبابها فيه ، وقد اغتصبها بالقوة والخديعة ومختلف الوسائل التي توافق الكتاب والسنة وتخالفهما على عكس علي الذي كان يلتزم الكتاب والسنة ولا يلجأ إلى المكائد . وإذا كان الجاحظ لم يجهر بالكفار معاوية في رسالة الحكمين فإنه كفره صراحة في رسالة النابتة . لقد فسق وضل لاغتصابه الخلافة وكفر حين جحد حكم الرسول في ولد الفراش وادعى ان زياد بن سمية أخوه ( انظر رسالة النابتة ، ضمن رسائل الجاحظ الكلامية ، التي نشرناها ) . والجاحظ يؤكد انه يلزم الحياد بين العلويين والعثمانيين وانه ليس ممن « يميل في شق عن شق ، ويتعصب لبعض على بعض ، ومن يبخس حق الدون ، فكأنك به قد تبخس حق من فوقه حتى تصير إلى أئمته المهتدين وخلفائه الراشدين ، لست عمريا دون ان أكون علويا ، ولا علويا دون ان أكون عثمانيا ، اللهم الا بما أخص به العترة بسبب القرابة ، واما في غير ذلك فليس