الجاحظ
90
رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية )
في معصية ، ثم صرفه في أبواب الباطل والفسق فوجب عليه إثم الإنفاق فيها . وهذه غاية الغبن والخسران . نعوذ باللّه منهما . فاللسان أداة مستعملة ، لا حمد له ولا ذمّ عليه ، وإنما الحمد للحلم واللّوم على الجهل . فالحلم هو الاسم الجامع لكلّ فضل ، وهو سلطان العقل القامع للهوى . فليس قمع الغضب وتسكين قوة الشّرّة ، وإسقاط طائر الخرق بأحقّ بهذا الاسم ، ولا أولى بهذا الرسم ، من قمع فرط الرضا وغلبة الشهوات ، والمنع من سوء الفرح والبطر ، ومن سوء الجزع والهلع ، وسرعة الحمد والذم ، وسوء الطّبع والجشع ، وسوء مناهزة الفرصة ، وفرط الحرص على الطّلبة ، وشدّة الحنين والرقّة ، وكثرة الشكوى والأسف ، وقرب وقت الرضا من وقت السّخط ، ووقت التسخط من وقت الرضا ، ومن اتّفاق حركات اللسان والبدن على غير وزن معلوم ولا تقدير موصوف ، وفي غير نفع ولا جدوى . [ 3 - حب الاخبار ] واعلم يقينا أن الصّمت سرمدا أبدا ، أسهل مراما - على ما فيه من المشقّة - من إطلاق اللسان بالقول على جهة التحصيل والتمييز ، والقصد للصّواب ، لما قدّمنا ذكره من علة مجاذبة الطّباع ، ولأنّ من طبع الإنسان محبة الإخبار والاستخبار . وبهذه الجبلّة التي جبل عليها الناس نقلت الأخبار عن الماضين إلى الباقين ، عن الغائب إلى الشاهد ، وأحبّ الناس أن ينقل عنهم ، ونقشوا خواطرهم في الصّخور ، واحتالوا لنشر كلامهم بصنوف الحيل . وبذلك ثبتت حجّة اللّه على من لم يشاهد مخارج الأنبياء ، ولم يحضر آيات الرّسل ، وقام مجيء الأخبار عن غير تشاعر ولا تواطؤ مقام العيان ، وعرفت البلدان والأقطار والأمم والتجارات والتدبيرات والعلامات ، وصار ما ينقله الناس بعضهم عن بعض ذريعة إلى قبول الإخبار عن الرسل ، وسلّما إلى التصديق ،