الجاحظ
91
رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية )
وعونا على الرضا بالتقليد . ولولا حلاوة الإخبار والاستخبار عند الناس لما انتقلت الأخبار وحلّت هذا المحلّ . ولكن اللّه عزّ وجلّ حبّبها إليهم لهذا السبب ، كما جعل عشق النّساء داعية للجماع ، ولذّة الجماع سبيلا للنّسل ، والرّقة على الولد عونا على التربية والحضانة - وبهما كان النشوّ والنماء - وحبّ الطعام والشراب سببا للغذاء ، والغذاء سببا للبقاء وعمارة الدنيا . فعسر على الإنسان الكتمان لإيثار هذه الشهوة ، والانقياد لهذه الطبيعة ، وكانت مزاولة الجبال الراسيات عن قواعدها أسهل من مجاذبة الطباع . فاعتراه الكرب لكتمان السرّ ، وغشيه لذلك سقم وكمد يحسّ به في سويداء قلبه بمثل دبيب النمل ، وحكّة الجرب ، ومثل لسع الدّبر ووخز الأشافي ، على قدر اختلاف مقادير الحلوم والرّزانة والخفّة . فإذا باح بسرّه فكأنه أنشط من عقال . ولذلك قيل : « الصّدر إذا نفث برأ » مثلا مضروبا لهذه الحال . وقيل : ولا بدّ من من شكوى إذا لم يكن صبر وليس قولنا « طبع الإنسان على حبّ الإخبار والاستخبار » حجّة له على اللّه ، لأنّه طبع على حب النّساء ومنع الزّنى ، وحبّب إليه الطعام ومنع من الحرام . وكذلك حبّب إليه أن يخبر بالحقّ النافع ويستخبر عنه ، وجعلت فيه استطاعة هذا وذاك ، فاختار الهوى على الرأي . وممّا يؤكّد هذا المعنى في كرب الكتمان وصعوبته على العقلاء فضلا عن غيرهم ، ما رووه عن بعض فقهائهم أنه كان يحمل أخبارا مستورة لا يحتملها العوامّ ، فضاق صدره بها ، فكان يبرز إلى العراء فيحتفر بها حفيرا يودعها دنّا ، ثم ينكبّ على ذلك الدّنّ فيحدّثه بما سمع ، فيروّح عن قلبه ، ويرى أن قد نقل سرّه من وعاء إلى وعاء .