الجاحظ

89

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية )

حِجْرٍ - لأنّه يزمّ اللسان ويخطمه ، ويشكله ويربثه ، ويقيّد الفضل ويعقله عن أن يمضى فرطا في سبيل الجهل والخطأ والمضرّة ، كما يعقل البعير ، ويحجر على اليتيم . وإنّما اللسان ترجمان القلب ، والقلب خزانة مستحفظة للخواطر والأسرار ، وكلّ ما يعيه [ من ] ذلك عن الحواسّ من خير وشرّ ، وما تولّده الشّهوات والأهواء ، وتنتجه الحكمة والعلم . ومن شأن الصدر - على أنه ليس وعاء للأجرام ، وإنّما يعى بقدرة [ من ] اللّه لا يعرف العباد كيف هي - أن يضيق بما فيه ، ويستثقل ما حمل منه ، فيستريح إلى نبذه ، ويلذّ إلقاءه على اللسن . ثم لا يكاد أن يشفيه أن يخاطب به نفسه في خلواته حتى يفضي به إلى غيره ممن لا يرعاه ولا يحوطه . كلّ ذلك ما دام الهوى مستوليا على اللّسان ، واستعمل فضول النّظر فدعت إلى فضول القول . فإذا قهر الرأي الهوى فاستولى على اللسان ، منعه من تلك العادة ، وردّه عن تلك الدّربة ، وجشّمه مئونة الصّبر على ستر الحلم والحكمة . ولا شيء أعجب من أنّ المنطق أحد مواهب اللّه العظام ، ونعمه الجسام ، وأن صاحبها مسؤول عنها ، ومحاسب على ما خوّل منها ، أوجب اللّه عليه استعمالها في ذكره وطاعته ، والقيام بقسطه وحجّته ، ووضعها مواضع النّفع في الدين والدنيا ، والإنفاق منها بالمعروف لفظة لفظة ، وصرفها عن أضدادها . فلم يرض الإنسان أن عطّلها عمّا خلقت له مما ينفعه حتّى استعملها في ضدّ ذلك مما يضرّه ، فاجتمع عليه الإثمان اللذان اجتمعا على صاحب المال الذي كنزه ومنعه من حقّه ، فوجب عليه إثم المنع وإن كان لم يصرفه